كتاب وشعراء

حذاء يتعلّم الوقوف وحده…..بقلم محمد النبالي

في مكانٍ لا تُشير إليه الخرائط، ولا تتذكّره الجهات إلا حين تضيق،
كانت الأرض تتعلّم الصمت… لا لأن الصمت حكمة،
بل لأن ما يُقال صار أثقل من أن يُحمَل.
لم يعد الصوت دليلًا على الحياة،
بل قد يكون سببًا كافيًا لاختفائها.
ولهذا تعلّم الناس أن يتكلموا إلى الداخل، وأن يتركوا الكلمات تموت قبل
أن تُسمع.
السماء، التي كانت تتّسع للجميع، صارت كل مساء تُطفئ زرقتها ببطء،
كأنها تُخفّف من حضورها كي لا تُرى أكثر مما يجب،
أو كأنها… للمرة الأولى… لم تعد تعرف أين تقف.
أما البيوت، فلم تسقط كما تُسقط الأشياء،
بل تراجعت وانسحبت من نفسها جدارًا بعد جدار،
كما تفعل الذاكرة حين تضطر أن تنسى كي تبقى.
وكان الذين بقوا يمشون بخفّةٍ لا تشبههم، كأن الأرض لم تعد تحتهم،
أو كأنهم يخافون أن تثبت الخطى أنهم ما زالوا هنا.
في الزوايا بقيت أشياء صغيرة لا يُلتفت إليها:
كوبٌ لم يبرد، نافذةٌ تنتظر، وصوتٌ خرج ذات مرة ولم يعد.
وعند حافة الطريق، حيث مرّ من حاول أن يبقى،
لم يبقَ منه شيء يُذكر… إلا ما لا يُمحى:
أثرٌ خفيف،
وحذاءٌ ممزّق
كأنّه يتعلّم الوقوف وحده.
كأنّه آخر ما بقي
يرفض أن يسقط.
لم يكن الخراب صاخبًا، بل هادئًا إلى حدٍّ يُربك، هادئًا بحيث يبدو طبيعيًا،
وكأن القلب يُدرَّب على التقبّل لا على الرفض.
وهنا، في هذا الهدوء تحديدًا، يظهر السؤال الذي لا يُقال:
فما لك أن تصمت…
وأنت ترى؟
لكن السؤال نفسه كان يُقال في الداخل فقط، لأن الإجابة قد تُسمع.
وحده الضوء كان يصل متأخرًا، متعبًا، كأنّه لم يعد يعرف كيف يرى كل هذا ويبقى.
وفي مكانٍ آخر، بعيدٍ بما يكفي ليبدو آمنًا، كان العالم يعيد ترتيب الكلمات،
ويبحث عن أسماءٍ أقل قسوة لما لا يُحتمل.
أما هنا، فلم تكن الأرض تسأل عن الأسماء، كانت تعرف أن الأشياء كلما سُمّيت أكثر… اختفت.
وكان سؤالها الوحيد، الذي لا يُقال مرتين:
كيف يمكن لشيءٍ حيّ
أن يعتاد الغياب…
ثم يُطلب منه أن يصمت؟
كما هو.
محمد النبالي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى