
السلاح باق… فماذا عن حكومة أبو عمر؟!
ميخائيل عوض / لبنان
في قلب الصراع الإقليمي والدولي الحالي، نعيد صياغة قراءة الحرب من منظور الضغط الزمني، والتدمير الانتقائي، والمعضلة الأخلاقية بعد الحرب فالأحداث لا تتطور وفق التوقعات التقليدية للنصر والهزيمة، بل وفق أدوات معقدة تتجاوز مجرد المواجهة العسكرية. الزمن، القوة، والأخلاق، كل منها يتحول إلى عامل حاسم يُحدّد شكل التوازنات المستقبلية، ويجعل من الصراع الحالي درسًا استراتيجيًا في إدارة الضغوط، واستثمار الفرص، وإعادة بناء النظام الإقليمي.
*أولًا: الزمن الحرج… مهلة ترامب الـ48 ساعة*
تمنح مهلة الـ48 ساعة لإيران التي أعلن عنها ترامب دورًا محوريًا في فهم استراتيجية الولايات المتحدة. هذه المهلة ليست مجرد إطار زمني تقليدي، بل أداة ضغط استراتيجية مركّزة يستعملها الأمريكي في أشد لحظات توحشه الذي فرضه واقع هزيمته في الميدان تهدف إلى تحقيق إنجاز سريع يُستخدم كورقة تفاوض، المهلة تمثل ضغطًا مكثفًا على الخصم، وإشارة على الرغبة في حسم سريع يفرض شروط المعركة قبل أن تتحول الأحداث إلى مرحلة غير قابلة للسيطرة. وهنا احتمال أن يتجه التصعيد إلى حافة النووي واحتمال استعماله. في هذا السياق، يتحول الزمن من مجرد مؤشر للأحداث إلى عنصر فاعل في إعادة رسم موازين القوى الدولية، إذ يمكن لساعات معدودة أن تحدد إمكانية تحقيق إنجازات استراتيجية أو فتح ثغرات تفاوضية، لاسيما تجاه قوة صاعدة مثل الصين، التي يُنظر إليها في هذا الطرح كطرف يجب إظهار محدودية قدراته قبل أن يتحول إلى منافس فعلي على المستوى الإقليمي والعالمي.
وفي الوقت ذاته، يشير الطرح إلى أن الهدف النهائي لترامب ليس الانتصار التقليدي أو السيطرة المباشرة، بل تحويل المنطقة إلى مساحة منهكة ومدمرة وغير مستقرة بما يُضعف أي قدرة على التعافي السريع. هذا الهدف يتطلب تنفيذ استراتيجية التدمير قبل الانسحاب، عبر ضرب البنى التحتية الحيوية للطاقة، والمياه، والاقتصاد، بما يضمن حرمان القوى الصاعدة من موارد حيوية رخيصة، ويحوّل المنطقة إلى عبء استراتيجي بدلاً من أن تكون فرصة استثمارية أو نفوذًا جيوسياسيًا.
وبهذا، تتحول الحرب إلى عملية تخريب ممنهج للنظام الإقليمي، تمهيدًا لإعادة تشكيله وفق توازنات تبقي على الوجود الأمريكي في موقع القوى ، حيث يصبح الانتصار ليس مجرد السيطرة على الأرض أو تدمير الخصم العسكري، بل فرض واقع جديد يحقق أهداف الضغط والسيطرة الاستراتيجية بما يعكس منطق “تدمير قبل إعادة التموضع” كإستراتيجية طويلة المدى.
*ثانيًا: السلاح باق… فماذا عن لبنان الصيغة والعهد والحكومة؟*
إن الوقائع الميدانية في المعركة أظهرت قدرة المقاومة على فرض معادلة ردع واستباق، مع مستوى عالٍ من التنسيق القتالي، وهو ما أدى عمليًا إلى انهيار أوهام إسرائيل حول إمكانية نزع السلاح بالقوة أو السيطرة على الحكومة اللبنانية. السلاح لم يعد مجرد أداة تكتيكية، بل أصبح عنصر قوة استراتيجية يفرض نفسه، ويعيد رسم خطوط التوازن بين المبادرة العسكرية والسيطرة السياسية.
في هذا السياق عرضا لتصريحات المسؤولين والعسكريين الإسرائيليين الذي أقروا بعدم قدرتهم على سحب سلاح حزب الله وأن نزع السلاح لم يعد من أهداف الحرب، ليحيل السؤال مباشرة على حكومة أبو عمر الأمير المزيف مخاطبا الحكومة اللبنانية إذا كان السلاح باق، فماذا عن مصيركم؟ يبدو هذا التساؤل وكأنه قارعة استشراف مصير أسود للحكومة اللبنانية التي جاءت أو جيء بها لتنفيذ أجندة إسرائيل وأمريكا في نزع سلاح المقاومة وتهجير البيئة الحاضنة والضغط عليها والتنكيل بها في سلوك تجاوز وفق تعبير عوض حدود ما طلب منها من قبل مشغلها الأمريكي والإسرائيلي. هذه السلطة التي جاء بها أمير مزيف وجاءت تحمل العداء للجزء الأصيل الذي ضمن وحفظ سيادة وكرامة لبنان على مدى أربع عقود عليها اليوم أن تفتح عيونها على حقيقة أن كل الرهانات سقطت مرة أخرى بفعل صمود رجال المقاومة وأن ما فعلته طوال 15 شهرا بدأ يرتد عليها وستزيد وتيرة هذا الارتداد فماذا هي فاعلة؟ وهل كانت وضعت في حساباتها في لحظة وهم مبالغ فيها أن الطاولة قد تنقلب عليها سريعا؟.
تبدو التساؤلات وكأن كل منها مسمار يراه يدق في نعش الصيغة والكيان برمته.
فالحكومة فقدت وظيفتها السياسية و
العهد بات في موقع تصادمي مع جزء كبير من المجتمع ما يعني أن احتمالات التغيير السياسي أصبحت مرتفعة وأن سلوك الحكومة وضع الصيغة اللبنانية كلها في موقع حتمية التغيير
ويذهب أبعد من ذلك بالقول
السلاح باقٍ… وهم راحلون.
*ثالثًا: بين العدالة والانتقام – معضلة ما بعد الصراع*
في هذا المحور، واحدة من أخطر لحظات ما بعد الحرب لحظة انفلات الغضب الاجتماعي وتحوله من مطلب عدالة إلى نزعة انتقام. فهو لا يتحدث عن احتمال نظري، بل عن مسار تاريخي متكرر في المجتمعات التي تخرج من حروب وجودية، حيث تتراكم مشاعر القهر، والخسارة، والإحساس بالخيانة، لتتحول إلى مطالب راديكالية تصل إلى حدود “نصب المشانق” وتصفية الحسابات لحكومة أثخنت بالتنكيل والاضطهاد.
من هذا السيناريو تحديدًا، إن حجم ما جرى من انقسامات داخلية، وتحريض بالتواطؤ مع الإسرائيلي وقرارات سياسية اعتُبرت في لحظة الحرب عدائية تجاه بيئة بعينها ما قد يدفع قطاعات واسعة من بيئة المقاومة إلى رفض أي خطاب تسامحي، بل واعتبار الصفح نوعًا من التواطؤ الجديد. هنا تكمن المعضلة: كيف يمكن الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة دون السقوط في فخ “عدالة الغضب”؟
انطلاقًا من ذلك، فالمقاربة البديلة تقوم على ثلاث ركائز مترابطة:
– *المحاسبة القانونية:* أي إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة والقضاء، بحيث تتم محاسبة المسؤوليات ضمن أطر دستورية، لا عبر الشارع أو القوى الفئوية.
– *التوبة السياسية:* وهي ليست مجرد اعتذار شكلي، بل مراجعة علنية وصريحة للمواقف والسياسات التي أُخذت خلال الحرب، والاعتراف بالأخطاء أمام الرأي العام.
– *إعادة الاندماج المجتمعي:* كشرط لإعادة إنتاج وحدة وطنية قابلة للحياة، تمنع إعادة تدوير الصراع في دورات لاحقة.
لكن ما يميز الطرح هو الإدراك العميق بأن هذه المقاربة ليست سهلة التطبيق، بل تصطدم بواقع نفسي واجتماعي شديد التعقيد. لذلك، يوجّه دعوة صريحة إلى الحكومة الحالية، بكل أطيافها وأحزابها، لالتقاط ما يسميه “الفرصة الأخيرة للإنقاذ” أي المبادرة الذاتية إلى الاعتراف بالأخطاء، والتراجع عن السياسات التي عمّقت الانقسام، والعودة إلى “لبنانيتها” ووطنيتها قبل أن يُفرض التغيير عليها من الشارع المنظم الذي حمل عبء حماية لبنان وتحمل طعنة الغدر به .
والبديل عن هذه المبادرة ليس مجرد خسارة سياسية، بل احتمال الانزلاق إلى مرحلة خطيرة من العدالة الانتقامية التي قد تطيح بما تبقى من الدولة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات انتقام يصعب احتواؤها. ومن هنا، تصبح الدعوة إلى الصفح—رغم إدراكه لضعف حظوظها—ليست موقفًا أخلاقيًا فقط، بل خيارًا استراتيجيًا لتفادي انهيار شامل لن يبقي من الصيغة شيئا ولن يذر.
*رابعًا: التحذير الاستراتيجي – فخّ المقايضة الكبرى*
ليرفع سقف التحذير إلى مستوى استراتيجي بالغ الحساسية، يمكن تسميته بـ “فخ المقايضة الكبرى” فإن أي احتمال أن تُدفع إيران نحو تسوية دولية/إقليمية تقوم على حماية إيران أو تثبيت موقعها مقابل التخلي الضمني أو الصريح عن ساحات الاشتباك المباشر، وفي مقدمتها سوريا ولبنان سيكون فخا قاتلا لا يمكن جب الضرر بعده.
لا يُفهم سيناريو المقايضة والتهدئة كحلّ، بل كإعادة توزيع مؤقت للخسائر والأرباح، يخفي في جوهره محاولة أمريكية–إسرائيلية لإعادة التموضع لا أكثر. فبدل الحسم العسكري، يجري الانتقال إلى تكتيك الفصل بين الجبهات لتحييد المركز (إيران) مرحليًا، مقابل تفريغ الأطراف من عناصر قوتها، أو تحويلها إلى مناطق رخوة قابلة للاختراق لاحقًا. وهنا تحديدًا يكمن الخطر، لأن هذه المقايضة—إن حصلت—تعني عمليًا ضرب وحدة الجبهات التي تشكلت خلال الحرب، وإعادة كل ساحة إلى شروطها المحلية الهشة، بما يفتح الباب أمام عودة الضغوط، والاختراقات، وربما الانفجارات الداخلية.
إن القبول بمثل هذه الصفقة، حتى لو بدا مغريًا من زاوية تقليل الخسائر أو تثبيت مكاسب آنية، هو خطأ استراتيجي قاتل، لأنه يعيد إنتاج الشروط التي سبقت الحرب نفسها من تجزئة الصراع، وعزل كل طرف عن عمقه، وإتاحة الفرصة للخصم كي يعيد بناء قوته تدريجيًا ثم ينقضّ من جديد. فكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا المنطق لا تنسحب فعليًا، بل تعيد تموضعها، ولا تسلّم بالهزيمة، بل تؤجل المواجهة إلى ظروف أكثر ملاءمة.
ومن هنا تأتي دعوته الصريحة إلى قوى المحور لعدم الوقوع في وهم التسويات الجزئية أو المقايضات المرحلية، خصوصًا تلك التي تفصل بين الجغرافيا السياسية للصراع. إن أي قبول بتجزئة الملفات—إيران هنا، والعراق ولبنان هناك—سيؤدي إلى تفكيك الإنجاز الاستراتيجي الذي تحقق بوحدة الجبهات، وتحويل النصر النسبي إلى خسارة مؤجلة.
بمعنى أعمق، إن هذه الحرب، بما أفرزته من تداخل في الجبهات، قد أسست لواقع جديد لا يمكن الرجوع عنه دون كلفة كبرى. وبالتالي، فإن الحفاظ على هذا الترابط ليس خيارًا تكتيكيًا، بل شرطًا لمنع إعادة إنتاج الهيمنة بصيغ جديدة. أما التفريط به تحت ضغط التسويات،ليس سوى عودة إلى نقطة الصفر، ولكن في ظروف أسوأ، حيث يكون الخصم قد تعلّم من أخطائه، واستعد لجولة قادمة أكثر قسوة.
في المحصلة، إن ما يجري لحظة تحوّل تاريخي تتقاطع فيها نهاية طور وبداية طور جديد. فالمعركة، وفق هذا المنظور، حسمت اتجاهها العام وإن لم تُحسم تفاصيلها بعد من تراجع واضح في قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض الشروط، إلى صعود لمحور يفرض معادلات ردع ويمنع الانكسار.
غير أن الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في من ربح ومن خسر، بل في ما الذي سيتشكل بعد هذه الحرب. هنا تتكثف في ثلاث دوائر مترابطة:
1- *دائرة الميدان:* حيث ثبتت معادلة أن القوة لم تعد كافية لكسر الخصوم، وأن الحروب المقبلة ستكون حروب استنزاف مركّبة لا حروب حسم سريع.
2- *دائرة الداخل اللبناني:* حيث يسقط وهم نزع السلاح بالقوة، ويُطرح بالمقابل سؤال إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، ما يعني أن النظام السياسي القائم دخل مرحلة اهتزاز بنيوي مفتوح على التغيير.
3- *دائرة الإقليم والنظام الدولي:* حيث تتراجع الهيمنة الأحادية، وتبرز ملامح نظام متعدد الأقطاب، لكن دون استقرار نهائي، بل عبر صراعات انتقالية قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة.
وفي قلب هذه الدوائر، تحذيرين متلازمين
الأول، من الانزلاق إلى الداخل عبر الانتقام والفوضى، بما يحوّل أي إنجاز عسكري إلى خسارة سياسية وأخلاقية.
والثاني، من الانخداع بتسويات كبرى قد تعيد إنتاج الصراع عبر تفكيك وحدة الساحات وتجزئة الملفات.
بناءً عليه، يمكن تلخيص الرؤية الاستراتيجية في معادلة دقيقة النصر الممكن هو نصر مشروط—مشروط بالحفاظ على تماسك الجبهات، وضبط الداخل، وتحويل فائض القوة إلى مشروع سياسي جامع، لا إلى أداة صراع داخلي.
أما لبنان، فيقف—وفق هذا الطرح—على عتبة مرحلة جديدة، حيث لم يعد ممكنًا الاستمرار بالمعادلات القديمة، ولا القفز نحو المجهول. الخيار الوحيد المتاح هو إعادة تعريف الوطنية اللبنانية على قاعدة التوازن بين المقاومة والدولة، وبين العدالة والاستقرار، وبين الانتماء الداخلي والامتداد الوطني.
وفي هذا السياق، لا تبدو دعوتنا مجرّد موقف سياسي، بل أقرب إلى إنذار تاريخي إما أن تُقرأ نتائج الحرب بوعي استراتيجي يُنتج نظامًا أكثر تماسكًا وعدالة، وإما أن يُهدر هذا التحول في صراعات داخلية وتسويات ناقصة،
فتعود المنطقة إلى دورة جديدة من الانفجار، ولكن بكلفة أعلى وخراب أوسع.
🖋 ميخائيل عوض