
قصة قصيرة
وُلدت ليلى وفي فمها ملعقة من ذهب، لا تعرف من الدنيا إلا وجهها المشرق حين تبتسم، ولا تعرف من القلق إلا ما تسمعه في حكايات الآخرين. كان والدها يملك مشروعًا كبيرًا، يُشار إليه بالبنان، وكانت أمها تعيش في أمانٍ يشبه هدوءَ الحدائق في صباح الربيع.
لكن الريح تغيّر اتجاهها أحيانًا بلا إنذار…
جلس الأب ذات ليلةٍ على طاولةٍ لا ترحم، طاولة القمار، فخسر ما جمعه في سنواتٍ طويلة في ساعاتٍ قليلة. تبدلت الأحوال، وانطفأ نور البيت الكبير، ولم يبقَ للأم سوى كرامتها وثلاث بناتٍ تخاف عليهن من قسوة الحياة وعيونٍ لا تعرف الرحمة.
سافرت الأم ببناتها إلى القاهرة، وباعت ذهبها قطعةً قطعة، كأنها تقتطع من قلبها أجزاءً لتصنع لهنّ طريق نجاة. كبرت الشقيقتان وتزوجتا، وبقيت ليلى… نعيمة الروح، مرحة الحضور، خفيفة الظل، يلتفت إليها الناس أينما حلّت، كأنها تحمل سرًّا من أسرار البهجة.
وفي أحد الأفراح، رآها مصطفى… فأحبها قبل أن يعرف اسمها.
تقدم لخطبتها، وتزوجها، وعاشت معه حياةً ملؤها الود والسكينة، وأنجبت بنتًا وولدًا، وكأن الحياة تعوضها عمّا فقدته صغيرًة.
لكن الإنسان أحيانًا يفتح بابًا لا يعرف كيف يغلقه…
تسلل أصدقاء السوء إلى مصطفى، فاقترب من الخمر والقمار، وكأن الطاولة اللعينة قررت أن تعيد حكاية الماضي من جديد. خافت ليلى أن ترى أبناءها يسيرون في طريقٍ مظلم، فطلبت الطلاق قبل أن تضيع الأسرة كما ضاعت من قبل.
أغلقت ليلى باب بيتها على نفسها وأطفالها، كأنها تحتمي بسورٍ من الصبر. لكن في كل زمانٍ كلابٌ ضالة، تبحث عن ثغرة في الجدران. حاولوا أن يساوموها، أن يجرّوها إلى عالمٍ لا يشبهها، عالمٍ يبيع الكرامة بثمنٍ بخس. عرضوا المال، وزيّنوا الوهم، لكنها كانت ترى في عيون أبنائها حقيقةً لا تُشترى.
رفضت… وأغلقت الأبواب بإصرار.
قررت أن تبدأ من جديد، فركبت القطار إلى الإسكندرية، مدينة البحر الذي يغسل الهموم. جلست تنظر من النافذة، تحمل قلبًا مثقلًا بالتجارب، لكنها مرفوعة الرأس.
جلس أمامها رجلٌ غريب، حاول أن يغازلها، وأخرج دفتر شيكات كأنه يظن أن كل شيءٍ له ثمن. لكن ابنها، الذي كان يتدرب على الكاراتيه في الجامعة، أدرك ما يحدث. وقف في شجاعةٍ، ودافع عن كرامة أمه، فسقط دفتر الشيكات وتمزقت صفحاته، وتطايرت أرقامه من نافذة القطار، كأن الريح تحمل معها بقايا الإغراء الزائف.
نظرت ليلى إلى ابنها… وابتسمت.
كانت ابتسامة أمان… ابتسامة انتصار… ابتسامة امرأةٍ انتصرت على القسوة دون أن تفقد نقاءها.
وأدركت أن الكلاب الضالة قد تنبح كثيرًا… لكنها لا تستطيع كسر بابٍ حارسُه الكرامة.