رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : القلوب الغليظة لا تصنع التغيير

في دفاتر يوميات البير كامو وهي ملاحظات وانطباعات تحول بعضها الى اعمال نشرت بعد وفاته في ثلاثة اجزاء وهناك أجزاء أخرى كتبها من عام 1935 ـــــــــــــ الى عام 1960 عام وفاته في حادث سيارة مريب قد يكون عطلاً ميكانيكاً من جهة مخابراتية، في واحد من الدفاتر كتب كامو هذه العبارة لتولستوي:
” الخطأ الفادح الذي ارتكبه الثوار الذين اقتحموا سجن الباستيل ــــــــــ في الثورة الفرنسية ــــــــ هو أنهم يفتقرون الى الحب”.
تلك الثورة تحولت الى مذابح والمقصلة التي قطعت رؤوس الجميع حتى الثوار. القلوب الفظة الغليظة لا تصنع ثورة بل مذبحة لأنها تذهب للإنتقام لا للتغيير ومن السهل هدم السجون الخارجية لكن من الصعب هدم السجون الداخلية العقلية والنفسية المشحونة بالغل. أسرى العقل الانتقامي في العالم أكثر من أسرى الحروب بما لا يقاس.
في بعض لحظات التاريخ تقع الشعوب الخارجة من قهر طويل في ما يسمى” الأوهام الشعبية الاستثنائية وجنون الحشود” عنوان كتاب تشارلز ماكاي ونشر عام 1841 ولا يزال حتى اليوم مرجعا في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والنفس‎.
لكن الحشود لا تعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي لان الزمن تجمد عند لحظة واحدة هي الحاضر، وعدوى العواطف يتحول الى قرارات وتصورات عن مستقبل وهم وتدفع العدوى الجماعية الجمهور نحو خيارات لا يعرف عنها شيئاً ليكتشف يوما ان المسافة بين الواقع وبين الخيال مسافة بين شاطئ وآخر وتبدأ من جديد لعبة جديدة.
كان المفكر والروائي والطبيب الفرنسي فرانز فانون الذي تخلى عن جنسيته وانضم للثورة الجزائرية وصار من قادتها ودفن في مقبرة الشهداء، قد حذر منذ أوائل الثلاثينات من ان الشعوب الخارجة من قهر طويل ، يجب أن تنعطف، حالاً، نحن بناء مؤسسات الديمقراطية، وعكس ذلك ستتجه نحو الفاشية وستعيد انتاج نظام جلادها للتعويض عن عار معتق واذلال طويل،
وذهبت تحذيرات فانون ادراج الرياح وكانت النتيجة: ولادة النازية والفاشية وكلاهما قدما مشروعهما كانقاذ ومخلّص لكنه انتهى بالخراب والدمار.
الغريق لا يهمه من المنقذ لحظة الغرق سواء كان دولفينا او قرصانا او كاهنا او سفاحا بل تهمه فكرة الانقاذ ،
لكن سؤال الغريق السياسي مختلف: ماذا بعد الانقاذ؟
وهو ليس سؤال الحشود المستنزفة لانها غارقة في أوهام وأحلام وكوابيس الماضي لكنه سؤال المثقف، وقد قدم لنا التاريخ امثلة لا حصر لها عن ايام ما بعد الغرق كالسؤال الذي لم يطرح قبل احتلال العراق.
ان تندفع الحشود نحو هذا النوع من الجنون المبرر ، أمر مفهوم ، لكن أن يندفع مثقفون خلف الحشود بلا صورة واضحة عن المستقبل ولا كشف التعقيد المركب للاعصار ، فهي خاصية معروفة في المثقف العربي، الذي لم يحدث مرة واحدة ان اخبرنا عن صورة مستقبل لانه اما مؤدلج او يسقط رغباته على واقع جديد لا يتطابق مع الحقيقة او يفكر من منطقة الجرح ويرى الحياة من نافذة جريحة.
لا تعثر على هذه” الاحتفالية” لدى المثقف الغربي الذي يضع كل التوقعات والمخاوف والهواجس عن وعي عميق بطبيعة الازمة وتعدد الاطراف والمصالح والنوايا الخفية التي كجبل الجليد لا يظهر منه غير الرأس.
يتحدث المثقف العربي عن اعصار سياسي عصف بالمنطقة بلغة وثوقية جازمة حازمة مع ان لغة السياسة لغة احتمالات،
كما لو انه يتحدث عن طبخة عشاء او برنامج سهرة قادم او حفل موسيقي:
من أين تأتي الثقة لهؤلاء ؟ من أين يأتي هذا” الايمان” بأن اللغة هي الواقع؟
الثورة حسب التوصيف الدقيق لـــ حنة أرندت في كتابها” الثورة”و تفرق بين العصيان المسلح والاضراب والاعتصام والانتفاضة وبين الثورة:
” ” إن الثورة تعني ان مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تماماً، قصة لم تروَ سابقاً ولم تعرف قط، هي على وشك الولادة”.
القلوب الغليظة الفظة لا تصنع ثورة أبداً وعندما كانت الجموع تذهب الى المنطقة الخضراء في بغداد كما لو أن التغيير يبدأ من حرقها أو السيطرة عليها، كانوا يعتقدون أن عبور جدران الاسمنت هو نهاية السلطة وبداية الثورة مع ان السلطة غارقة في التاريخ والتقاليد وشبكة مصالح متداخلة في الداخل والخارج ومن منظومة روافد اجتماعية تصب في النظام السياسي الذي هو منتوج اجتماعي بل ان هؤلاء بالمعنى العميق جزء جوهري من السلطة في العقلية وفكرة الحيازة وامتلاك الحقيقة والثروة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى