
لا يمثل المشهد الحالي في المنطقة مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل هو تجلٍ لـ “عنف وجودي” لا يفرق بين مسلح وأعزل.
إن هذا التوحش ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة تزاوج بين عقيدة دينية إقصائية في إسرائيل، وميراث استعماري إبادي في الولايات المتحدة، مما خلق منظومة ترى في القتل وسيلة لإثبات الهوية قبل أن يكون لتحقيق أهداف سياسية.
أولاً: الجذور الدينية والفتاوى المتطرفة (المحرك العقدي للقتل)
إن العنف الإسرائيلي هو تطبيق عملي لمنظومة فقهية وعقدية متطرفة تغلغلت في العقل الجمعي للجنود والسياسيين:
نزع الإنسانية وفلسفة الأغيار: تروج الأحزاب الدينية لفتاوى ترى أن المدنيين من “الأغيار” لا يملكون حصانة، وتعتبر أن “الرحمة بهم جريمة”. هذا الخطاب يحول الطفل والمرأة إلى “عدو محتمل” تجب إبادته.
حرب “الميتسفا” (الحرب المقدسة): يفتي حاخامات المدارس التمهيدية للجيش بأن هذه الحرب “خلاصية”، مما يعطي الجندي صكاً لتجاوز القوانين الدولية؛ فمرجعيته هي “النص المقدّس” بتفسيره المتطرف، لا أوامر القيادة العسكرية.
تغول اليمين المتطرف: لم يعد هذا الفكر حبيس المدارس، بل أصبح برنامجاً حكومياً يتبناه وزراء يضعون الآخر أمام خيارات ثلاثة: التبعية المطلقة، التهجير، أو القتل.
ثانياً: الذهنية الأمريكية (توارث جينات الإبادة)
يرتبط العنف الأمريكي بجذور تاريخية تشكل “الدي إن إيه” السياسي للولايات المتحدة:
عقيدة “المصير المحتوم”: تأسست أمريكا على فكرة أن التوسع القائم على إزاحة “السكان الأصليين” (الهنود الحمر) هو حق إلهي. هذه الذهنية ترسخت بحيث أصبح العقل السياسي الأمريكي يرى في كل شعب يعارض هيمنته “هندياً أحمر” جديداً يجب سحقه.
العنف التطهيري: تؤمن الثقافة الأمريكية بأن القوة المفرطة هي وسيلة “لتطهير العالم من الأشرار”، وهو ما يفسر عدم المبالاة بحجم الدمار؛ فالبطل في الوعي الأمريكي هو من يحسم الصراع بالسحق لا بالتفاوض.
علي مدار التاريخ قديمه وحديثة تبدأ الإمبراطوريات في التآكل عندما تفقد عقلانيتها وارتباطها الانساني، وهو ماقد وصل الي ذروته في الآونة الأخيرة.
ثالثاً: مسارات الانهيار (تآكل أركان الإمبراطورية والوكيل)
الانهيار لا يبدأ بسقوط العواصم، بل بتصدع الأساسات الاقتصادية والأخلاقية:
المسار الاقتصادي: تعاني إسرائيل من نزيف مالي حاد وتراجع ائتماني يهدد بقاءها، بينما ترزح أمريكا تحت دين عام فلكي (تجاوز 34 تريليون دولار). إن فقدان “الثقة المالية” هو النذير الأول لنهاية القدرة على تمويل الحروب.
سقوط الشرعية والعزلة: أدت الوحشية المفرطة إلى “إفلاس أخلاقي” عالمي؛ حيث فقد الغرب “القوة الناعمة” وأصبح يواجه ثورات وعي داخل جامعاته وشوارعه، مما جعل تكلفة حماية هذا العنف باهظة سياسياً.
ومع سقوط الامبراطورية دائما ما يكون ذلك مؤشرا لبروز امبراطورية جديدة.
رابعاً: التصور الصيني (القوة الناعمة والبديل العاقل)
في مقابل “العنف للعنف”، تطرح الصين نموذجاً يقوم على “السيادة الاقتصادية”:
منظومة أخلاقية اقتصادية: تتبنى الصين مبدأ “الربح للجميع” وعدم التدخل في شؤون الآخرين، مما يجعلها شريكاً جذاباً لدول العالم التي سئمت الغطرسة الأمريكية.
الصبر الاستراتيجي: تدرك الصين أن أمريكا تحاول جرها لمواجهة عسكرية لتعطيل نموها، لكنها تراهن على أن التفوق التكنولوجي والسيطرة على سلاسل الإمداد سيجعلانها القطب الأوحد دون إطلاق رصاصة واحدة.
إلغاء الدولرة: تقود الصين العالم نحو نظام مالي متعدد الأقطاب، مما يسحب من أمريكا أهم سلاح لتمويل عنفها العالمي.
خاتمة: الواقع العربي والغياب الحضاري
يبقى العالم العربي والإسلامي في هذه المعادلة “مخزناً للثروات” (بترول وأموال) دون تأثير حضاري حقيقي بسبب التبعية والتخلف الاجتماعي.
إن الانهيار القادم للمنظومة الغربية يفتح باباً تاريخياً، فهل ستنجح شعوب المنطقة في بناء مشروعها المستقل، أم ستكتفي بدور المتفرج على انتقال السيادة من الغرب العنيف إلى الشرق الهادئ؟