رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : الواقع الخفي

ـــــ روبرتو سافيانو بطل قومي ــــ أمبرتو إيكو، روائي وفيلسوف ايطالي.
الحظ العاثر او الصدفة دفعت روبرتو سافيانو الى عالم المافيا.
تثبت رواية “كامورا” التي نشرت 2006 أن الواقع الحقيقي ليس ما نراه بل الواقع الحقيقي هو المختفي خلف واجهات وشعارات وقوانين وعلاقات،
والواقع المحجوب يختفي عن من يؤيده ومن يرفضه لأنه غاطس في الاعماق في شبكة علاقات مركبة ومعقدة وأي محاولة لتبسيطه واختزاله في أوصاف أو عناوين هو تشويه له.
أول قاعدة في الفن الروائي هي أن الواقع ليس ما نراه بل المخفي وتحطيم الواجهة المزيفة وظيفة اخلاقية للرواية وكما قال كافكا:
“على الكاتب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا”
لكن هذا ليس بلا ثمن في مجتمعات مغلقة تخاف من البوح أكثر مما تخاف من الجريمة لذلك تتراكم الجرائم الصامتة حتى الانفجار.
كانت كامورا عملاً فاضحاً كشف إيطاليا من الداخل وعرى مؤسساتها وجعلها مرئية وهي مزيج من السيرة الذاتية والعمل الاستقصائي بل كانت انتحاراً للكاتب لأنها وضعته في مواجهة قاتلة مع المافيا الايطالية التي قررت قتله في بيان من مقرها في نابولي بعد أن كشف خفاياها بالواقع والأسماء الحقيقية مما جعل الدولة الايطالية تضعه في مكان سري تحت الحماية منذ عام 2006 حتى اليوم وتحولت حياته الى جحيم.
لذلك وصفه الروائي والفيلسوف وعالم اللسانيات أمبرتو إيكو مؤلف” اسم الوردة” بالبطل القومي لأنه كسر حاجز الصمت وجسد الشجاعة في أن السرد الواضح والجميل والمغامرة الفكرية هو شكل من أشكال الأخلاق.
عمل سافيانو في شركة تبين له فيما بعد انها شركة تابعة لمافيا كامورا ــ الحماية ـــ الايطالية من أشهر عائلات المافيا الصقلية، وحدث ذلك خلال تحميل صناديق في ميناء في رافعة عندما انفتحت الصناديق لتتساقط الجثث فوقه هياكل عظمية،
التي كانت مرسلة الى مراكز متخصصة طبية أو غيرها،
ومنذ تلك اللحظة تغير مصير سافيانو وحددت المافيا موعدا لقتله بسبب روايته”كامورا Gomorrah” التي فتحت سجلات المسكوت عنه والمخفي وهزت عرش المافيا الايطالية والاوروبية والمؤسسات الرسمية المتعاونة معها من شركات طيران ومصارف ومحاكم وقضاة ومحطات تلفزة وصحف وشخصيات سياسية وبذلك يكون سافيانو قد وضع رأسه في فم التمساح وهو وحيد وأعزل،
مما جعل الدولة تفرض عليه العيش في قبو سري تحت الارض، وبحماية أمنية مشددة مرافقة، ومنذ أعوام وهو يعيش تحت التهديد. رغم كل الاجراءات الامنية لكنه يقول عن خبرة مع كامورا إنهم يستطيعون الوصول اليه في أي وقت،
ولو كان في ثقب الأرض لكنهم يريدون تشويه صورته كرجل معتوه لاسقاطه في نظر العامة ثم قتله وحسب قوله:
” يريدون أن يهدأ الوضع”.
سافيانو لم يكتب رواية مشفرة مبهمة، بل رواية عارية بالاسماء والأماكن الحقيقية والحوادث والشخصيات في مغامرة سردية وليست سرد مغامرات.
الكاموريون في 111 عائلة منظمة، أقل كثيراً من الكاموريين العراقيين،
تتحكم بالاقتصاد والسياسة والاعلام والمال والشركات،
وتاريخ حافل بالاغتيالات وتتواجد في الأحياء الفقيرة وتقدم لهؤلاء خدمات لاجل كسب رضا الجمهور.
حسب سافيانو في مقابلة متلفزة من قبوه إن المافيا أنقذت الاقتصاد الأوربي مرات من أزمة إقتصادية عنيفة عندما ضخت سيولة مالية.
حصل سافيانو على جوائزة عدة وتحولت الرواية الى فيلم ومسلسل ووصف الفيلسوف والروائي الايطالي أمبرتو إيكو سافيانو بـــ:” البطل القومي”.
لماذا صَدم سافيانو المجتمع الايطالي بعنف وجعله ينظر للواقع الظاهري بريبة؟
لأنه كشف عن الواقع المخفي خلف شعارات ومؤسسات وقوى وشركات وطقوس واحتفالات وقال لهم بالوثائق ليس هذا هو الواقع الحقيقي.
تقوم المافيا بأعمال خيرية للفقراء في بناء مدارس ومستشفيات وبيوت مما جعل هذه الاوساط بيئة مناسبة.
مدمنو الثقافة واللغة السياسية يصعب عليهم فهم ان الواقع ليس ما نراه في الظاهر بل “ما لا نراه” لانه غاطس خلف أسرار وأقنعة، وغالباً ما يعلن هؤلاء عبارة:” أهل مكة أدرى بشعابها” أي وحدهم يعرفون الواقع وهم لا يعرف غير السطح والمظاهر العلنية والسطحية.
مع أن مكة اليوم ليست منعزلة في صحراء بل مكشوفة الشعاب تحت مئات الأقمار الصناعية لانهم يعيشون عقلية وذهنية ما قبل التاريخ ولو صفقت فراشة جناحها في الصين،
ستضطرب غابات الأمازون كما قيل، ولو أن لصاً دخل متجراً في المكسيك سيراه مباشرة الناس في بغداد او براغ على الهواء.
توصف رواية غومورا بالفضيحة، وحسب سافيانو إن الايطاليين يحبون الحديث عن الاخلاق التقليدية ومثلنا منح الواقع فضائل وهمية للتحايل الذاتي وكل شيء على ما يرام،
و يتفاخرون بالبيتزا والجبن وجمال الطبيعة والتاريخ المشرق ولا يحبون رؤية صورة مغايرة لهم في نظر العالم.
لكن سافيانو المجنون قرر الكتابة العارية، حتى لو كان الثمن هو الموت أو العزلة دون أي تفكير في العواقب.
يوم زار النرويج برفقة أمنية وفي مقابلة مباشرة في التلفاز، سألته شابة :
” هل تعتقد أن المافيا موجودة هنا في الدول الاسكندنافية؟”
وكان جوابه صادماً:
” إن ملابس وسيارات الشركات الشهيرة والأدوية وغيرها يجري تقليدها من قبل المافيا بالمواصفات نفسها ومن الصعب معرفة الأصل”.
مما جعل الحضور يحدقون بملابسهم، لأن هذه المجتمعات آمنة ومسالمة وواضحة ولا تعرف العوالم السرية، لان الانسان هنا في الداخل كما هو في الخارج بلا أقنعة ولا تمثيل مما يثقل الجسد والروح.
ماذا يحدث لو ان سافيانو اطلع على مافيانا المتخلفة؟ هناك من يرجح أن معنى كامورا هو التذكير بسدوم وعمورة القرى التي خُسفت بها الأرض لفسادها حسب قوانين التاريخ والطبيعة والسوية.
تبقى كامورتنا من أخطر المافيات في التاريخ، بعد أن تلبست رداء العقيدة ،
بكفاءة أقل من كامورا نابولي، عدوانية علنية ووقاحة تسوق الناس الى مذبحة متدرجة، وموت بطيء بالتقسيط الممل.
في عام 1962 قاد المخرج سيرجيو ليوني الفريق الإيطالي لتصوير الفيلم التاريخي «سدوم وعمورة» وتوالت أفلام أخرى مثل فيلم المخرج أركادي مومانتيف ثم المخرج لجان جيرودو وفي عام 1975 قام المخرج الايطالي الكبير بازوليني باخراح ” 120 يوماً من سدوم” وقتل بعدها.
تشهد السنوات الاخيرة عودة الى أدب المدن الفاسدة Dystopi ديستوبيا،
في حين ننشغل نحن بفساد السلطة مع ان الفساد السياسي ليس معزولاً ومفصولاً عن النسيج الاجتماعي بل هذا النسيج هو رافده الرئيس، وعندما تعرض سافيانا للمافيا تعرض لها كثقافة ومؤسسات وقواعد ومصارف ومراكز قوى وليس كعصابة.
أخطر أنواع المافيات تلك التي تتواجد في مجتمعنا حيث تتحالف قوى ومؤسسات ومكونات سياسية واجتماعية واعلامية تحت أغطية عقائدية وسياسية وتشكل الهرم السياسي الذي يلعنه الناس وينسون أنهم الأساس الذي تأسس فوقه والمجتمع يتحالف بلا وعي مع السلطة السياسية في تدمير نفسه على المدى الطويل وتدمير مستقبل أجيال من خلال روابط وصلات بين النظام السياسي والمكونات الفرعية من أجل تبادل المصالح.
ــــــ الصورة : فيلم غومورا من اخراج الايطالي الكبير ماتيو غاروني الذي جسد الواقع القذر بلا شخصيات وسيمة ولا قاعات نظيفة بلغة المجرمين كما هي وقدم القاع السفلي للمجتمع كما هو بجرأة رواية سافيانو. الرواية مترجمة للعربية ومتوفرة كملف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى