كتاب وشعراء

ملحمةُ البلادِ حينَ تستردُّ اسمَها…بقلم أحمد سعود عوض

لم تكنِ البلادُ
فراغًا
كي يهبطَ عليها أحدٌ
ويملأَها بوهمِه،

كانتْ ممتلئةً
إلى حدِّ أنَّ الماءَ
كان يعرفُ طريقَه
إلى جرّةِ المرأةِ
كما يعرفُ الدعاءُ
طريقَه إلى القلب،

وكانتِ الظلالُ
تطولُ على كتفِ العصر
كأنَّ الأشجارَ
تصلّي بصمتٍ
منذ أوّلِ الضوء،

وكان القمحُ
يحفظُ انحناءةَ الفلّاح
كما تحفظُ العينُ
الدمعةَ التي لا تريدُ أن تسقط،

وكان الخبزُ
يخرجُ من نارٍ قليلةٍ
لكنّه يكفي
ليُقنعَ الفجرَ
أن يبقى ساعةً أخرى
على عتبةِ البيوت.

لم تكنِ البلادُ
أرضًا فقط،
بل هيئةَ الذين مرّوا بها:
أثرَ صندلٍ على ترابٍ رطب،
ضحكةَ طفلٍ
ركض وراء المساء،
بابًا
يعرفُ كفَّ صاحبه
من فرطِ ما لامسته السنون،
وزيتونةً
تمدُّ في الهواءِ
سيرةَ عائلةٍ كاملة.

لكنَّ الذين جاؤوا
لم يجيئوا بأقدامهم وحدها،
جاؤوا بجملة.

والجملةُ
حين تُدرَّب طويلًا
على برودةِ المعدن،
يمكنُها
أن تمحوَ قريةً كاملةً
من غيرِ أن ترفعَ سكينًا،
أن تُطفئَ اسمًا
من غيرِ أن تُسقطَ حرفًا،
أن تُقنعَ العالمَ
أنَّ الغيابَ
كان موجودًا قبل الغائبين.

قالوا للتلال:
أنتم سطورٌ
لم يكتبْها أحد.
وقالوا للبيوت:
ما أنتنَّ
إلّا تعثّرَ حجرٍ
في طريقِ الوعد.
وقالوا للأسماء:
كوني خفيفةً
كي تمرَّ الخريطةُ من فوقكِ
من غيرِ أن تتألم.

وقالوا للأرض:
اتّسعي لنا
ولو بضيقِ أهلِك.
وقالوا للريح:
خذي الغبارَ
ودعي النداء.
وقالوا للوقت:
تأخّر قليلًا
كي لا يرى أحدٌ
كيف تُنقلُ الجهاتُ
من يدٍ إلى يد.

هكذا ابتدأ المحو:
لا نارًا أوّلَ الأمر،
ولا طلقةً،
بل مرآة.

مرآةٌ
أُلبستِ البلادَ
وجهًا آخر،
ثم قيل لها
ببرودِ الخوذة:
هذا أنتِ.

ومنذُ ذلك الحين
والخرائطُ
تمشي بخوذاتٍ خفيّة،
واللغةُ
تغسلُ يديها قبل الكلام
كي لا يظهرَ عليها
ترابُ القرى،
ولا صدأُ المفاتيح،
ولا الارتعاشةُ الأخيرة
في فمِ أمٍّ
نادَت ابنها
فالتفتتْ إليها الأزقّةُ كلُّها.

ومنذُ ذلك الحين
لم يعدِ الجدارُ حجرًا فقط،
بل فكرةً
تتسلّقُ الهواء
وتقسمُ الضوء
بين نافذةٍ ونافذة،
ولم تعدِ الطائرةُ
طائرًا من معدن،
بل تفسيرًا قاسيًا
للعلوِّ
حين يخونُ السماء.

وصار القانونُ
برجًا من حديد،
ينظرُ إلى الدمعةِ
كما تُنظرُ الأشياءُ
من خلفِ زجاجٍ مضادٍّ للندم.

ولأنّ العالمَ
يُصدّقُ الحديدَ
أسرعَ ممّا يُصدّقُ الخبز،
كبرتِ الكذبةُ
حتى لبستْ درعًا،
ثم خوذةً،
ثم حدودًا،
ثم نشيدًا،
ثم علَمًا،
ثم ادّعت
أنّ النجاةَ
لا تقومُ
إلّا على خوفِ الآخرين.

غيرَ أنّ البلادَ
كانتْ تحتفظُ
ببراهينِها الصغيرة:

جرّةُ ماءٍ
تصعدُ الدرجَ
في ذراعِ امرأة،
رائحةُ زعترٍ
تُفاجئُ المنفى
فيبكي،
قمحٌ
يتذكّرُ أصابعَ الزارعين،
آبارٌ
تحفظُ وجوهَ العطاشى
كأنّ الماءَ
أرشيفُ القلب،
وشجرةٌ
ترفعُ ظلَّها قربَ العصر
مثل صلاةٍ بطيئة
نسيتْ أن تنتهي.

لكنّ الكذبةَ
كانتْ تعرفُ كيف تخيطُ الفراغ،
كيف تُفصِّلُ للترابِ
صمتًا زائدًا،
وللقرى
غيابًا يليقُ بمزاجِ الخرائط،
وللناس
منفىً مبكرًا
قبل أن يتحرّكوا.

وكان الذين خرجوا
لا يخرجون كاملين.

يتركون وراءهم
مفاتيحَ صغيرةً
تكبرُ في الجيوب
كلّما برد الشتاء،
ويتركون في الطحين
بصماتِ الأمهات،
وفي الأقمشةِ القديمة
دفءَ الغياب،
وفي زوايا البيوت
هواءً يعرفُ أسماءهم
ولا يشي بها.

بعضُهم بقي
في خشبِ الباب،
بعضُهم بقي
في جرّةِ الماء،
بعضُهم بقي
في انحناءةِ الطريق
حين يمرُّ المساء،
وبعضُهم
نام طويلًا
في حنجرةِ أمٍّ
كلّما نادت
استيقظتْ في التراب
خطىً لا تُرى.

أمّا المنفى
فلم يكن مسافةً فقط،
بل نقصانًا في اليقين:
أن تصبحَ
أقلَّ من اسمك
في أوراقِ العالم،
وأقلَّ من بيتك
في دفاترِ القانون،
وأقلَّ من ظلِّك
في عينِ الخريطة،
وأقلَّ من دمعتك
في خبرِ المساء.

المنفى
أن تفاجئكَ رائحةُ خبزٍ
فتنهارَ في داخلك
بلادٌ كاملة،
أن تضعَ يدكَ في جيبِ المعطف
فتلمسَ مفتاحًا
أكبرَ من باب،
وأثقلَ من مدينة،
وأصدقَ من كلِّ الأقفال.

ولم يكنِ الجرحُ
كلُّهُ من هنا.
جاء بعضُه
من بعيدٍ بعيد؛
من ليلِ قارّةٍ
ربَّت الكراهيةَ
حتى صارتْ صناعة،
ومن أقبيةٍ
كان الحديدُ فيها
يتعلّمُ من الإنسان
كيف يصيرُ أعمى.

لم نكنْ هناك
حين كانت النارُ
تأكلُ وجوهَ البشر،
ولم نكنْ
في أناشيدِ الحقد
وهو يعلّقُ العالمَ
على مشنقةِ العِرق،
لكنّ الجرحَ
عبر البحرَ،
وجلسَ على موائدنا
مثل أمرٍ لا يُردّ،
وأكلَ من ملحنا،
ومن مائنا،
ومن أسماءِ الأمهات،
ثم قيل لنا:
افسحوا له المكان
فهو يبحثُ عن نجاة.

يا لهذه الحيلةِ العتيقة:
أن يُضمَّدَ جرحٌ
بفتحِ جرح،
وأن يُبنى بيتٌ
من خلعِ باب،
وأن يُربَّى الخوفُ
حتى يغدو دستورًا،
ثم يسمّونه
خلاصًا.

لكنّ الخوفَ
إذا صار وطنًا
أفسدَ أبناءَه،
والذي يبني طمأنينتَه
فوق رجفةِ غيره
لا ينام،
والذي يطعمُ أولادَه
من ملحِ الذعر
يورّثهم
عطشًا لا ينتهي،
والذي يجعلُ ذاكرتَه
متراسًا أبديًّا
ينسى، في آخر الأمر،
أنّ الذكرى
إذا لم تتطهّرْ
من شهوةِ التكرار
صارتْ سجنًا
يعلّمُ السجينَ
لغةَ السجّان.

ليس الخلاصُ
أن يرتفعَ الجدار،
ولا أن تُربّى النجاةُ
على هيئةِ بندقيّة،
ولا أن يُقاسَ الحقُّ
بطولِ الظلِّ
الذي يرميه الحديدُ
على صدرِ النهار.

فالحقُّ
أبسطُ وأصعب:
أن يعودَ الإنسانُ
إنسانًا،
قبل أن يكونَ تاريخًا،
وقبل أن يكونَ خندقًا،
وقبل أن يكونَ تفسيرًا
لعاهةِ العالم.

لهذا
لا نطلبُ
غيابَ وجهٍ من الوجوه،
بل غيابَ القناع.
لا نطلبُ
للضوءِ أن يختارَ أهلَه،
بل أن يشفى
من عادةِ الانقسام.
لا نطلبُ
للبحرِ أن يبتلعَ أحدًا،
بل أن يردَّ زرقتَه
إلى عينِ طفلٍ
لا يفهم
كيف تكبرُ السماءُ فوقه
ويضيقُ الطريق.

لا نطلبُ
للريحِ أن تحملَ موتًا،
بل أن تعيدَ إلى الشرفات
قمصانَ أصحابها.
لا نطلبُ
للأرضِ ثأرًا،
بل راحةً
من هذا التمثيلِ الطويل.
لا نطلبُ
للأبوابِ معجزةً،
بل أن تتذكّرَ
مفاتيحَها.
ولا للشجرِ
إلّا الجهةَ الأولى
التي زرعتْه.

نريدُ للقانون
أن يخلعَ معدنَه
ويمشي حافيًا
بين البيوت
كي يعرفَ الفرق
بين خوذةٍ
وحق،
بين جدارٍ
وجار،
بين أمنٍ
يُبنى على عدلٍ
وأمنٍ
يُبنى على ذعر.

نريدُ للغة
أن تكفَّ
عن غسلِ يديها
كلّما مرّت بجانبِ مذبحة،
وأن تعودَ الكلماتُ
إلى معناها الأول:
البيتُ بيتٌ،
لا هدفٌ جانبيّ،
والطفلُ طفلٌ،
لا رقمٌ في الهامش،
والأمُّ أمٌّ،
لا خسارةٌ مقبولة،
والبلادُ بلادٌ،
لا ملفًّا مؤجّلًا
في درجِ العالم.

نريدُ للمفتاح
أن يعودَ إلى معنى الباب،
وللاسم
أن يعودَ إلى فمِ أمّه،
وللتراب
أن يستريحَ من التزوير،
وللليل
أن يخلعَ عن نوافذه
عيونَ المراقبة،
وللفجر
أن يجيءَ بلا حاجز،
وللإنسان
أن يقفَ أخيرًا
بلا قناعٍ
بين نفسِه ونفسِ أخيه.

يوماً ما
ستتعبُ الخرائطُ من الكذب.

ستخلعُ حدودَها
كما يخلعُ المحاربُ
درعًا صدئًا
بعد هزيمتِه الأخيرة،
وسيسقطُ السلّمُ
الذي رتّب الدماءَ درجات،
ويسقطُ القفلُ
الذي عُلِّق في فمِ الريح،
ويسقطُ الوهمُ
الذي لبسَ اسمَ البلاد
وظنّ أنّه صارها.

يوماً ما
سيخرجُ الصوتُ
من تحت الركام
صافيًا
كأنّ الحجارةَ
كانت تحفظه
لهذه الساعة،
وكأنّ الترابَ
كان، طوالَ هذا الليل،
يخبّئُ خطى أصحابِه
في صدرِه
كي لا تموت.

يوماً ما
سيكتشفُ العالمُ
أنّ الحقيقةَ
لم تكنْ تحتاجُ
إلّا أن يُرفعَ عنها
حارسُ الأكاذيب،
وأنّ البلادَ
حين تُنادى باسمِها الصحيح
تلتفتُ
من أوّلِ النداء.

ولن يكونَ النصرُ
أن يهزمَ ظلٌّ ظلًّا،
ولا أن يعلو جرحٌ
فوق جرح،
بل أن يشفى الضوءُ
من عادةِ الانقسام،
وأن يتعبَ الحديدُ
من ادّعاءِ الحكمة،
وأن تعودَ السماءُ
إلى وظيفتِها الأولى:
أن تكونَ سماءً،
لا سقفًا للطائرات.

وعندها
لن تكونَ الأرضُ
بحاجةٍ إلى أن تشرحَ نفسَها لأحد،
فالأرضُ
إذا استردّت اسمَها
لا تخطبُ طويلًا،
لا تستعرضُ جرحَها،
لا ترفعُ رايةً من نار،
بل تفعلُ ما تفعله الحقيقةُ
حين تملُّ من الأقنعة:

تضيء.

وتضيءُ
فيعرفُ البابُ
كفَّه القديمة،
وتعرفُ الأمُّ
الاسمَ العائدَ
من آخرِ التعب،
ويعرفُ الطفلُ
أن الطريقَ
ليس أضيقَ من حلمه،
ويعرفُ البحرُ
أن الزرقةَ
ليست ملكًا للمدافع،
ويعرفُ القمحُ
انحناءةَ الفلّاح
من بينِ ملايينِ الوجوه،
وتعرفُ الشجرةُ
جهتَها الأولى،
ويعرفُ المفتاحُ
أنّه لم يُخلق
ليصدأَ في المنفى،
بل ليفتحَ ما أغلقه الظلمُ
من أبوابِ المعنى.

وعندها
يبقى الإنسانُ،
أخفَّ من الحديد،
أصدقَ من الخريطة،
أوسعَ من القناع،
وأقربَ إلى ترابِه
ممّا سمحتْ به الجدران.

هذه ليستْ
نهايةَ أحد،
بل نهايةُ الوهم
حين يفرغُ
من تمثيلِ العدالة.
هذه بدايةُ البلاد
وهي تمشي أخيرًا
نحو اسمِها،
بلا خوذة،
بلا قفل،
بلا مرآةٍ كاذبة،
بلا حارسٍ على الضوء،
وبلا كذبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى