كتاب وشعراء

من 2019 إلى 2026: سبع سنوات هزّت العالم… بقلم المهيري بنعيسى

في صباح بارد من أواخر عام 2019، بدأ كابوس صحيّ يخرج من أعماق الصين ليُغير وجه العالم الذي عرفناه. منذ تلك اللحظة، لم تطلُ السنوات السبع التالية حتى أيقنت البشرية أن التاريخ لم يكن ليعود إلى مساره القديم أبداً
هزة الجائحة الأولى
كان ظهور فيروس «كوفيد-19» إيذاناً بمرحلة جديدة من تاريخ البشرية. ففي غضون أشهر قليلة، أغلقت الدول حدودها، وتوقفت عجلة الاقتصاد العالمي، وعاش الناس في عزلة غير مسبوقة. ورغم أن منظمة الصحة العالمية أعلنت انتهاء حالة الطوارئ في مايو 2023، فإن الجائحة تركت ندوباً لا تُمحى. فبعد ست سنوات، لم يختفِ الفيروس، بل تحوّل إلى مرض مزمن مستمر، وأصبح «كوفيد طويل الأمد» أحد أكثر الحالات المزمنة شيوعاً بين الأطفال في الولايات المتحدة. وما زالت متحوّرات «أوميكرون» تتصدر المشهد، أحدثها يحمل اسم «XFG» أو «ستراتوس»، وهو قادر على التهرّب من المناعة المكتسبة. وتُقدّر أعداد الإصابات بين أكتوبر 2024 وسبتمبر 2025 بما بين 14.1 و20.7 مليون حالة، مع دخول مئات الآلاف إلى المستشفيات وعشرات الآلاف من الوفيات.
ولم تمر هذه الجائحة دون أن تُعلّم العالم دروساً قاسية. فبحلول فبراير 2026، سألت منظمة الصحة العالمية سؤالاً مصيرياً: «هل أصبح العالم أكثر استعداداً للجائحة القادمة؟» وجاء الجواب: «نعم ولا». نعم، لأن اتفاقية الطوارئ الصحية العالمية التاريخية أُقرّت في مايو 2025، وأُدخلت تعديلات على اللوائح الصحية الدولية، وأنشئ صندوق الجوائح الذي وفّر أكثر من 1.2 مليار دولار لدعم مشاريع المراقبة والتأهّب في 98 دولة. ولكن لا، لأن التقدّم المُحرَز لا يزال هشاً وغير متساوٍ، والعالم لا يزال يواجه تهديد فيروسات جديدة أكثر فتكاً.
صراعات تشعل العالم
في 24 فبراير 2022، هزّت العالم ضربة ثانية: الغزو الروسي لأوكرانيا. وما كان متوقعاً أن يكون حرباً خاطفة تحولت إلى مستنقع دامٍ. بحلول 2026، تقترب الحرب من عامها الخامس، وسط محاولات غربية للبحث عن «حل وسط»، بينما يستبعد خبراء التوصل إلى «سلام مستدام» في هذا العام، مرجّحين استمرار سيناريو الصراع المُجمّد.
وفي الشرق الأوسط، لم تكن الأوضاع أقل احتداماً. ففي 28 فبراير 2026، شنت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً واسعة النطاق على إيران، في تصعيد غير مسبوق أشعل المنطقة بأكملها. ولم تكن هذه الصراعات منعزلة؛ بل تداخلت مع أزمات أخرى في السودان وميانمار ومنطقة الساحل، حتى باتت خريطة الصراعات العالمية تضم أكثر من عشرين حرباً مفتوحة في آن واحد.
وفي منتدى دافوس 2026، الذي انعقد في ظل اضطرابات جيوسياسية متفاقمة، كان الـ «صدام الجيو-اقتصادي» بين القوى الكبرى الخطر الأبرز الذي يُلوح في الأفق، يليه خطر الحرب المفتوحة. ولم يعد العالم يعرف استقراراً، بل أصبحت الأزمات تتداخل وتتغذى على بعضها.
اقتصاد متعثر بين اليقين والريبة
ورغم كل هذه الاضطرابات، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة مدهشة على الصمود. ففي تحديث آفاق الاقتصاد العالمي لشهر يناير 2026، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.3%، مع تراجع التضخم من 4.1% في 2025 إلى 3.8% في 2026. ويعود هذا الصمود جزئياً إلى طفرة الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإعادة توجيه سلاسل التوريد لمواجهة اضطرابات التجارة.
إلا أن هذه الأرقام لا تروي القصة كاملة. فعدم المساواة لا يزال ينخر في جسد الاقتصاد العالمي، ولا تزال الأسواق الناشئة تعاني من تداعيات الأزمات المتلاحقة. ويظل التحدي الأكبر هو التوفيق بين تعافي الاقتصاد وضرورة إعادة بناء الاحتياطيات المالية التي استُنزفت في سنوات الجائحة.
ثورة الذكاء الاصطناعي
ربما كان المجال الأكثر تحولاً في هذه السنوات هو التكنولوجيا. فإذا كان عام 2023 هو عام «الانبهار» بقدرة الآلة على الكتابة والرسم، فإن عام 2026 هو عام «التنفيذ» و«الثقة». فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تُطيع الأوامر، بل أصبح «الوكيل الذكي» (Agentic AI) كياناً مستقلاً يخطط وينفذ ويتخذ القرارات. يكفي أن يطلب الموظف من وكيله الذكي إعداد تقرير مالي، ليقوم الوكيل بالدخول إلى قواعد البيانات، وتحليل الأرقام، وتصميم العرض التقديمي، وحتى جدولة الاجتماع لمناقشته.
بل إن الذكاء الاصطناعي كسر قيود الشاشات وانتقل إلى العالم المادي بفضل «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي». فأصبحت الروبوتات الخدمية تتنقل في المستشفيات والمصانع، وأصبحت السيارات ذاتية القيادة وسيلة نقل أساسية في المدن الذكية. وفي المجال الصحي، أحدث الذكاء الاصطناعي انعطافة تاريخية، إذ انتقل الطب من القائم على «المتوسطات الإحصائية» إلى «الطب الشخصي الدقيق»، القادر على تحليل الخريطة الجينية لكل مريض على حدة.
المناخ في حالة طوارئ
وفي الوقت الذي انشغلت فيه البشرية بصراعاتها وتقنياتها، كان الكوكب يئن تحت وطأة الاحترار. فبحلول عام 2026، أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن السنوات 2015-2025 كانت السنوات الإحدى عشرة الأحر على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة. وتجاوزت درجات الحرارة في عام 2025 متوسط الفترة 1850-1900 بحوالي 1.43 درجة مئوية. ولم تكن هذه أرقاماً جافة، بل ترجمت إلى حرائق اجتاحت الغابات، وفيضانات جرفت المدن، وأعاصير حطمت كل الأرقام القياسية.
وللمرة الأولى، تناول التقرير العالمي للمنظمة «اختلال توازن طاقة الأرض» كمؤشر رئيسي. فارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري إلى أعلى مستوياتها منذ 800 ألف عام أدى إلى اختلال هذا التوازن، مع وصول الاختلال إلى مستوى مرتفع جديد في عام 2025. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «يمر المناخ العالمي بحالة طوارئ. وكوكب الأرض يتعرض لضغوط تتجاوز قدرته على التحمل. وجميع المؤشرات المناخية الرئيسية تنذر بالخطر الداهم».
ورغم هذه التحذيرات، كانت هناك بصيص أمل: ففي عام 2025، ولأول مرة، وفّرت طاقة الرياح والطاقة الشمسية 30% من كهرباء الاتحاد الأوروبي، متجاوزة بذلك الوقود الأحفوري (29%). لكن هذا التقدم ما زال هشاً، وما زالت الانبعاثات تواصل الارتفاع في أجزاء أخرى من العالم.
المجتمع بين الانقسام والتضامن
لم تسلم المجتمعات من تداعيات هذه التحولات. فبعد سبع سنوات من الجائحة والحروب والأزمات الاقتصادية، ازدادت الفجوات بين الأغنياء والفقراء اتساعاً، وبرزت حركات اجتماعية جديدة تطالب بالعدالة المناخية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، ساعدت التكنولوجيا على ربط الناس بطرق لم تكن ممكنة من قبل، لكنها ساهمت أيضاً في نشر المعلومات المضللة وزيادة الاستقطاب.
وتشير تقديرات إلى أن الاقتصاد العالمي نما بمعدلات متفاوتة، لكن هذه النماذج تُخفي وراءها قصصاً من المعاناة الإنسانية. فمع كل تحسن في المؤشرات الاقتصادية، كانت هناك ملايين العائلات التي فقدت مصدر رزقها، وملايين اللاجئين الذين أجبرتهم الحروب على ترك منازلهم، وملايين آخرين عانوا من تبعات الجائحة طويلة الأمد.
غزة: جرح لم يندمل
وفي خضم هذه التحولات كلها، كانت غزة تُكتب أفظع فصولها الدموية. ففي 7 أكتوبر 2023، هزّت عملية «طوفان الأقصى» المنطقة بأسرها، لترد عليها إسرائيل بحرب إبادة جماعية غير مسبوقة. استمرت الحرب أكثر من خمسة عشر شهراً، لم تشهد خلالها غزة لحظة هدوء حقيقية. قصفت المستشفيات والمدارس والمخيمات، وحوصر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط ضيق من الأرض، مع منع الماء والغذاء والدواء. وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025، بقيت غزة مدينة أشباح: أكثر من 70% من المباني مدمرة أو غير صالحة للسكن، وأكثر من 150 ألف قتيل وجريح، نصفهم من الأطفال والنساء.

ولم تكن غزة مجرد جبهة محلية، بل أشعلت المنطقة بأكملها. فمنذ أكتوبر 2023، انخرط «محور المقاومة» من لبنان واليمن والعراق وسوريا في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة. واستمر تبادل القصف مع «حزب الله» في لبنان حتى وقف هشّ لإطلاق النار في نوفمبر 2024، بينما أوقفت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر بعد تدخل عسكري غربي في مارس 2025. لكن الجرح الأعمق ظل في غزة، حيث يعيش الناجون اليوم في خيام بلا ماء ولا صرف صحي، وتفشى شلل الأطفال وغيره من الأوبئة التي ظنناها من أمراض الماضي.

وحتى عام 2026، لم تبدأ عملية إعادة الإعمار الحقيقية، لأن إسرائيل تمنع دخول مواد البناء الثقيلة، والمجتمع الدولي يقف عاجزاً أو متواطئاً. غزة اليوم هي أكبر سجن مكشوف في العالم، وأكبر مقبرة جماعية تُدار أمام الكاميرات، وأكبر وصمة عار على جبين الإنسانية في القرن الحادي والعشرين

فإن كان العالم تغير بين 2019 و2026، فإن غزة تغيرت أكثر من أي مكان آخر: تحولت من حصار إلى إبادة، ومن أمل في تسوية سياسية إلى يأس كامل. وربما كان السؤال الأكثر إيلاماً الذي يواجه ضمير العالم اليوم: كيف سنشرح لأحفادنا أننا شاهدنا كل هذا ولم نفعل شيئاً؟

نظرة إلى المستقبل
مع دخول عام 2026، يقف العالم على مفترق طرق. فمن ناحية، تتسارع التطورات التكنولوجية بوتيرة مذهلة، وتتعافى الاقتصادات من صدمات الجائحة، وتُعقد اتفاقيات دولية لمواجهة الأوبئة المستقبلية. ولكن من ناحية أخرى، تستعر الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط وأفريقيا، ويتسارع تغير المناخ بوتيرة تنذر بالخطر، وتتسع الفجوات الاجتماعية.
ربما يكون الدرس الأهم الذي تعلمته البشرية في هذه السنوات السبع هو أن العالم أصبح أكثر ترابطاً مما نتصور، وأن أياً من هذه الأزمات لا يمكن حلها بمعزل عن الأخرى. فالجائحة علمتنا أن الفيروس لا يعرف حدوداً، والحروب علمتنا أن الصراعات الإقليمية تتداعى عالمياً، والمناخ علمنا أن انبعاثات أي دولة تؤثر على الكوكب بأكمله.
وها نحن اليوم في عام 2026، نحمل معنا جراح الماضي وآمال المستقبل. ولعل السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس «كيف تغير العالم»، بل «كيف يمكننا أن نجعله مكاناً أفضل للأجيال القادمة؟». وإلى أن نجد الإجابة، سيظل العالم يتغير، وسيظل التاريخ يُكتب، وستظل البشرية تبحث عن طريقها في زمن الاضطرابات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى