
وأحد الأسباب لذلك أن الوفد الإيراني ذهب إلى باكستان للتفاوض محمولاً على ضجيج انتصار مزعوم، وفوز دعائي مزيف تصنعه آل إعلامية تجيد البروباجندا، ولا تجيد الدفاع الجوي، ولا البحري، ولا القدرة على حماية الأجواء.
وقد تكون هذه الآلة تفوقت فيها إيران على مبتكر هذا النوع من البروباجندا السوداء، وهو جوبلز، أحد أذرع النازي في الكذب الثلاثي (إكذب ثم إكذب، ثم إكذب، حتى يُصدقك الناس).. إيران جعلت الكذب في هذه المعادلة الفاسدة خماسي، بل وأكثر من ذلك.
يواصل النظام المعاند المتغطرس المصاب بعنجهية مرضية بدون أساس واقعي اليوم، إنما يستند على أحلام وأوهام وشعارات، وتاريخ يصعب إعادته إلى ماكان عليه قديماً، أقله حتى نهاية هذا القرن، يواصل هذا النظام السقوط في فخ من الخرافات التي يبدو أنها بلا قاع.
فهو لن يكون قوة عظمى شرق أوسطية، ولا دولية، بسياساته الحالية الصدامية، وهو لن يهزم قوة عظمى عالمية ( أمريكا)، وليس بمقدوره سحق قوة عظمى إقليمية (إسرائيل)، إنما هو يهزم نفسه بنفسه في ذلك الصراع الذي اختاره مع الإقليم والجوار والعالم كله أو معظمه، منذ 47 عاماً، في سياق أفكار عتيقة عن التضحيات والفداء والدم الذي ينتصر على السيف (ليس كل دم هو الدم، وليس كل سيف هو السيف، تلك حالة تاريخية حسينية لها خصوصيتها).
أنظمة عديدة في العالم افتقدت الرؤية السياسية الواقعية الرشيدة، وبعد تفكك وزوال الاتحاد السوفيتي بكل قوته وجبروته وهيلمانه وقطبيته فإن واقعية فهم العالم وحركته وتفاعلاته وقواه النافذة المؤثرة تصبح ضرورة حياة.
ماذا عن كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا مثلاً.. بلدان فاشلة تماماً، والإنسان فيها يعيش في قهر وجحيم سياسي ومعيشي، بسبب غياب سياسة فهم الواقع وإدراك مواقع القوة وتفاديها لبناء قوة حقيقية مانعة من الابتزاز.
(شعب كوريا الشمالية تم مسخه تماماً، وفنزويلا ربما تكون أنقذت نفسها بأقل الخسائر، وكوبا في مأزق عنيف).
ماذا عن أنظمة الرفض العربية التي تساقطت كما أوراق الشجر في العراق وسوريا وليبيا؟.
انتهت وتركت إرثاً من الدول الفاشلة والشعوب المقسمة والاحتراب الداخلي.
ماذا عن إيران؟.
النظام لا يريد استيعاب الدرس القديم الجديد حيث يكرر نفس المسارات الفاشلة للأنظمة الفاشلة التي سبقته تحت شعار مواجهة الاستعمار وقوى الاستكبار والشياطين الصغيرة والكبيرة والمقاومة والساحات الموحدة، بينما لا يتقدم خطوة واحدة اقتصادياً وتكنولوجياً ورفاهية لمواطنيه، والضربات تتوالى عليه وعلى ساحاته، وهو إذ يدمر بلده وشعبه ويظن أنه يقاوم ويواجه وينتصر، فإن أذرعه التآمرية على بلدانها تقود هذه البلدان إلى الفشل أيضاً، كما في لبنان والعراق، وتنغمس في الانقسام والاقتتال الفعلي كما في اليمن.
وإذا كانت هناك من حسنة لـ أحمد الشرع ورفاقه، يكفيه تنظيف سوريا من السرطان الإيراني وميليشياتها التي اقترب عددها من العشرين، وقد تسببت في سفك أنهار من الدماء ونشر الخراب في ربوع هذا البلد طوال 10 سنوات.
(ما فعلته إسرائيل في سوريا طوال عقود من الصراعات والحروب والاحتلالات أقل مما فعلته إيران وتنظيماتها المسلحة من الدمار والقتلى والجرحى والمشردين خلال عقد واحد).
تفويت فرص التوافق من خلال التفاوض السياسي السلمي مرات بعد مرات وسنوات وراء سنوات لن يكون في صالح إيران الدولة ذات التاريخ العريق، ولا الشعب الطيب الرقيق، الذي يقوده نظام قادم من زمن سحيق عتيق.
والنتائج واضحة.. حربان مدمرتان الأولى لمدة 12 يوماً في يونيو العام الماضي، والثانية استمرت 40 يوماً مؤخراً، وتوقفت بهدنة ولم تضع أوزارها تماماً.
وتخيلوا حجم الخسائر الفادحة في مقدرات إيران وشعبها خلال الـ 52 يوماً .. فأين الانتصار هنا، وما معنى الانتصار عند نظام إيران، ومن يتشيعون لنظام إيران؟.
امتلاك إيران للنووي بات مستحيلاً.
أن تكون لإيران هيمنة على جوارها انتهى للأبد، فالجوار فقد الثقة فيها، ولن يهادنها مجدداً، حيث سيعطيها ظهره.
واللعب بورقة المضيق ستتبدد بشكل أو بآخر، فهذه الورقة سترتد على النظام حيث يساهم بواسطتها في حشد الدول ضدها.
والداخل الإيراني المتضرر جداً من تداعيات الحرب ومصاعب الحياة والمعيشة وانهيار العملة والاقتصاد يزداد نقمة على النظام.
كانت باكستان فرصة للحل السريع الحاسم، لكن النظام يصر على معادلة شراء الوقت بأي ثمن، ومهما كانت خسائر بلاده على أمل مفاجأة العالم يوماً بتفجير القنبلة لنكون أمام نظام ديني طائفي مهووس في يده سلاح إبادة شامل.