تحليل وقراءة أدبية لقصيدة “ذكرياتي” للشاعر عبده محمد الوسماني… بقلم الأديبة التونسية: د. غزلان حمدي

ذكرياتي!!..
يا ذكرياتي في عيون الضوء
يا أجمل ذكرياتي
على رصيف الشوق سجلت البدايات في حياتي
صوت الجداول والحمام والريح
منها نلت ذاتي
من حقول المجد في إب الغروب من تضاريس الجبال
خُلقت سماتي
من جبلة التاريخ من يحصب من شواطئ سحرها قد جُمعت رفاتي
من بلدتي من نهرها الميمون
من شلالاتها أسقيت ذاتي
كان شغف للحياة بلا حدود
أغنيات أمي حقلي مدرستي رفق أبي
ذات يوم مشؤوم صوت بارود ونعي وبكى أمٍّ وتشييع طفل
من هنا كان شتاتي
مصلوب حرفي ينزف الآهات يبكي في مغارات القطيعة
تاه عن كلِّ الدروب
يحرق أحداق القصيدة ذلك السجَّان
في مخالب حقده زاد فيني من كروبي
لست أدري عن مصيري.. عن خُطاي
عن جبين الشمس هل أعلن هروبي
واقع الأيَّام مؤلم في جراحه.. في أنينه
أحرق أطرافي وثوبي
أيُّها الجبَّار مهلاً لا تذع الموت في خبز الطفولة.. في دواء الأيتام..
في خيام النازحين.. في ينابيع شروبي
لا تبثّ الرعب بي في طريقي في مناخ البلدة الجدباء من كثر الحروب
لا تزيد الجرح عمقاً في حيارى الفقر والتعذيب والجوعى فتكاً بالشعوب
بقلم الشاعر: عبده محمد الوسماني
بتاريخ 2026:7:31م *إب*
القراءة الأبية:
يُقدِّم الشاعر في هذا النص تجربة وجدانية تنطلق من استحضار الذاكرة بوصفها المنبع الأول للهوية والانتماء، فجاء المطلع مشبعاً بالحنين إلى الطفولة والمكان، حيث تتجسد الطبيعة بكل تفاصيلها في الجداول والحقول والجبال والشلالات لتشكل فضاءً نابضًا بالحياة والسكينة. ولم يكن المكان مجرد إطار للأحداث، بل تحول إلى رمز راسخ للأصالة والجذور التي صنعت شخصية الشاعر وملامحه الفكرية والوجدانية.
وقد اعتمد النص على بنية تصاعدية واضحة، إذ ينتقل من صفاء الذكريات إلى قسوة الواقع، فيتحول المشهد تدريجياً من صور مفعمة بالأمل إلى لوحات يغمرها الحزن والدمار. هذا التحول الدرامي جاء منسجماً مع تطور الفكرة، فكان الانتقال من صوت الجداول إلى صوت البارود انتقالًا يحمل دلالة عميقة على الفارق بين زمن السلام وزمن الحرب.
كما برع الشاعر في توظيف الصورة الشعرية التي جاءت نابضة بالحركة والإيحاء، فاستعان بالتشخيص والاستعارة ليمنح الحرف والقصيدة والجرح أبعاداً إنسانية تجعل القارئ يعيش التجربة بكل تفاصيلها. ولم تكن الصور غاية جمالية فحسب، بل جاءت خادمة للمعنى ومؤكدة لحجم الألم الذي يسكن النص.
أما اللغة فقد اتسمت بالوضوح والجزالة، وجمعت بين البساطة والقدرة على التأثير، فابتعدت عن التعقيد مع حفاظها على قيمتها الأدبية. كما أن الألفاظ المختارة انسجمت مع طبيعة الموضوع، فتراوحت بين مفردات الطبيعة والطمأنينة في البداية، ثم تحوَّلت إلى مفردات الحرب والوجع والفقد، وهو ما منح النص توازناً فنياً وإيقاعيَّاً.
ويبرز البعد الإنساني في القصيدة بصورة لافتة، إذ تجاوز الشاعر حدود تجربته الشخصية ليعبر عن معاناة الإنسان في كل مكان، فكان دفاعه عن الطفولة والأيتام والنازحين والجوعى موقفًا أخلاقيًا وإنسانيَّاً يعكس رسالة الأدب الحقيقية في الانتصار للحياة والكرامة.
وفي المجمل، استطاع الشاعر أبو هيثم الوسماني أن يقدم نصاً يجمع بين صدق العاطفة وجمال التصوير وقوة الرسالة، فجاءت القصيدة مرآة لوجع الإنسان حين يفقد وطنه وأمنه، وفي الوقت نفسه بقيت نافذة مفتوحة على الأمل، تؤكِّد أنَّ الذاكرة الصادقة تظلُّ قادرة على حفظ الهوية ومقاومة النسيان، وأنَّ الشعر حين يخرج من القلب يبلغ القلب ويترك أثراً أدبياً وإنسانياً لا يزول.
بقلم الشاعرة الأديبة: د. غزلان البوادي حمدي