تاريخ العرب

القائد محمد آغا البرازي وقمعه تمرد العلويين

إقطاعي ترك الرفاهية وانتسب للعسكرية فعاد قائداً أنهى الفوضى وفرض زعامته على وسط وغرب سوريا

كتب:تامر الزعاري –
مقدمة

كانت الفوضى وانعدام الأمن هي السمة السائدة في وسط وغرب سوريا خلال القرن التاسع عشر، فتذكر الوثائق العثمانية معلومات عن صعوبة الحركة التجارية بين حلب وحماه، وحتى أصبح غرب سوريا منطقة غير آمنة لطرق الحج فقد سُجلت احداث تمرد 1808م ثم 1813م ثم العصيان الكبير 1834م ثم 1854م ثم ثورة اسماعيل خير بك 1856م والذي من بعده أصبحت الفوضى هي الحالة السائدة، وكان لفرنسا يد في هذه الفوضى وهذا مثبت في أرشيف الخارجية الفرنسية الذي يحتفظ بملف القنصلية الفرنسية في حلب لعامي 1834–1835، رقم 18PO/A/8 والذي يؤكد تدخل القنصل الفرنسي وتحريضه، تماماً مثل لبنان تدعم بريطانيا الدروز وتدعم فرنسا الموارنة.


النشأة

في ظل هذا الفوضى ولد في حماه محمد بن باكير البرازي في عام 1834م وهو ابن عائلة اقطاعية مالكة للأراضي ومن ضمن العائلات الاقطاعية في حماه، وفي عام 1845م قام عثمان حافظ باشا وصالح وامق باشا بتأسيس “جهاز عساكر الضبطية” لمواجهة الفوضى في أنحاء الدولة العثمانية أي ليكون جيشاً عثمانياً ولكن ليقاتل داخل الدولة.

وعندما كبر محمد بن باكير البرازي كان ذو همة عالية فقرر ترك حياة الرفاهية وانتسب لجهاز عساكر الضبطية وترقى فيه، وفي عام 1865م حدثت إضطرابات في منطقة غافور داغ بين قيليس وحلب وأضنة، فأرسل جهاز الضبطية سرية كان محمد البرازي أحد قادتها ونجحت هذه السرية في إنهاء الاضطرابات.


تأسيس الدرك

في عام 1869م حالف محمد اغا البرازي الحظ عندما صدر قرار بتحويل جهاز “عساكر الضبطية” إلى جهاز أكبر وأكثر قوة وعدداً وتنظيماً فأصبح “جهاز الدرك” وحصل المنتسبين على ترقيات سريعة، وقبل ذلك بعامين أي عام 1867م جرى هيكلة عساكر الضبطية على أساس مناطقي فيما عرف بـ “مأمورو التفتيش” فاستقر محمد اغا البرازي في منطقة مصياف والتي له فيها نفوذ عائلي، وتم تحديد أي مهمة مستقبلية في منطقة حماه وما حولها بأن توكل لمحمد اغا البرازي فكان تأسيس الدرك هي البداية الفعلية لتحرك محمد اغا البرازي في حماه.


سيطرته على حماه وما حولها

بدأ تحرك محمد اغا البرازي في عام 1869م حيث أوكل اليه مهمة السيطرة على حماه ووسط وغرب سوريا، وهي مهمة تتحالف مع هدف شخصي سعى له منذ انتسابه لعساكر الضبطية، ولكنه الآن وكما وصفه المؤرخ حنا بطاطو “تحت يده فرقة عثمانية كاملة”، فقادها واستفاد منها فبسط الأمن وقمع أعمال العصيان وحارب الإقطاعيين المنافسين له وفرض زعامته على المنطقة، ولأول مرة منذ عقود أصبحت طرق الحج آمنة، ولترسيخ زعامته تزوج من عدد من الأسر ومنهم ابنة الزعيم الاقطاعي الأسبق حمو البرازي وكذلك تزوج من عشيرة الفواعرة.


قمعه لتمرد العلويين

في عام 1880م قام العلويين بقتل العساكر في منطقة وادي العيون، فانطلق تمردهم في وادي العيون ثم انتقل التمرد إلى الجبال، فقاد محمد اغا البرازي الدرك بنفسه لإنهاء ثورتهم، وواجه صعوبة في إنهائها حيث لم تكن المواجهة في ساحة مفتوحة بل كان المتمردين يستفيدون من التضاريس الوعرة والمغاور والمنعرجات، وكانوا يستدرجون القوة العسكرية إلى مناطق صعبة ثم يهاجمونها من مواقع مخفية، فكان اختباراً صعباً واجهه البرازي بنفسه، ومع ذلك استمر بقتالهم، وحتى بعد أن صعد العلويين إلى الجبال قام باللحاق بهم إلى أن بسط الأمن وانهى التمرد في نفس العام.


هو جد رؤساء وزارة ورئيس جمهورية

في القرن العشرين وصل عدد من أحفاده إلى مناصب عليا في الجمهورية السورية ومنهم:
* رئيس الوزراء السوري حسني بك بن سليمان آغا بن محمد آغا الباكير البرازي.
* رئيس الوزراء السوري محسن بن خالد آغا بن محمد آغا الباكير البرازي.
* رئيس الجمهورية السورية أديب الشيشكلي بن السيدة منور بنت محمد آغا الباكير البرازي.
ـ
ـ
أكرم الحوراني يتحدث عن أديب الشيشكلي واعتزازه بجده محمد آغا البرازي

كتب الزعيم أكرم الحوراني في مذكراته: (( ينتمي الشيشكلي إلى عصبية عائلة لأسرة مزارعة ومالكة وذات نفوذ ووجاهة، وقد كان والده حسن أغا مع أخويه يملكون قرية ( تل ذهب) وهي من القرى الغنية زراعياً، كما استملك والده فيما بعد قرية الشويحة شرقي حماه، وكان أديب بالرغم من التنافس والتناحر بين آل البرازي وآل الشيشكلي فخوراً بهم ولاسميا بجده لأمه محمد أغا البرازي الذي كان رأس عشيرة البرازي، وهي عشيرة كردية أتت من شمال سورية إلى حماه في النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستقرت في الحي الذي عرف باسمها.
ـ
وكان محمد أغا البرازي في سلك الدرك خلال العهد العثماني وكلف بقمع عصيان وادي العيون في منطقة العلويين، وبعد أن قمع العصيان استولى على عدد كبير من القرى تمتد من غرب
حماة وحتى وادي العيون من أحسن الأراضي الزراعية ثم اقتفى أولاده خطاه في التوسع والاستملاك شرق حماه وغربها.

وإذا كان أديب الشيشكلي قد نشأ نشأة وطنية في مدرسة دار العلم والتربية… انتسب فور تخرجه من مدرسة سلمية الزراعية إلى الكلية العسكرية خلال الانتداب الفرنسي لذلك لم يتحرر من ارتباطاته الطبقية والعائلية وكان لوالدته تأثير كبير عليه).


وفاة محمد آغا البرازي

توفي في حماه في عام 1891م وكان آخر ما قام به إقرار شارع جديد يصل حماه بمدينة اللاذقية، ولكن تأخر تنفيذه بسبب ظهور مرض الكوليرا آنذاك.
*** المصادر:
1) مذكرات أكرم الحوراني، أكرم الحوراني
2) مذكرات محسن البرازي، محمد الارناؤوط
3) موقع التاريخ السوري المعاصر
4) الأرشيف العثماني
5) فلاحو سوريا، حنا بطاطو
6) أرشيف الخارجية الفرنسية ملف القنصلية الفرنسية في حلب لعامي 1834–1835، رقم 18PO/A/8

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى