تاريخ العرب

حين طارد مروان الحمار الخزر حتى روسيا… القصة الكاملة لأخطر حرب على الدولة الأموية

في القرن الثامن الميلادي، ظهرت على حدود الدولة الأموية الشمالية قوة عسكرية هائلة أرعبت العالم الإسلامي، هي مملكة الخزر.
قامت مملكة الخزر في الأراضي التي تقع اليوم في جنوب روسيا و أوكرانيا، وسيطرت على الطرق التجارية بين أوروبا وآسيا. وفي القرن الثامن الميلادي اعتنقت الطبقة الحاكمة في المملكة الديانة اليهو…دية، فأصبحت مملكة الخزر تُعرف في كثير من المصادر بأنها المملكة اليهو..دية، مع بقاء سكانها خليطًا من شعوب وديانات مختلفة.
بعد سنوات من الهدنة مع الدولة الأموية، قرر خاقان الخزر الغدر و نقضها، وأمر ابنه الأمير بارجك بقيادة حملة ضخمة لاجتياح بلاد المسلمين. وتصف المصادر الإسلامية كثرة جيش الخزر بأنه كان كالرمل، حتى إن بعض الروايات قدرت عدده بنحو 300 ألف مقاتل .
في سنة 112هـ/730م تدفقت جيوش الخزر عبر باب الأبواب (دربند)، الواقعة اليوم في جمهورية داغستان ، ثم عبرت جبال القوقاز، واجتاحت أذربيجان الحالية بسرعة خاطفة.
جاء الهجوم مفاجئًا؛ فقد وقع بعد فترة من الهدوء، ولم يتوقع المسلمون حملة بهذا الحجم، كما أن سرعة عبور الخزر لممرات القوقاز جعلت الدفاعات الأموية غير مستعدة لاستقبال هذا السيل البشري.
خرج إليهم والي أرمينيا وأذربيجان، القائد البطل الجراح بن عبد الله الحكمي، ومعه جيش صغير مقارنة بجيش الخزر. وكان يعلم أن الانسحاب سيعني فتح الطريق أمام العدو إلى بلاد المسلمين، فاختار القتال.
عند مدينة أردبيل، الواقعة اليوم في شمال غرب إيران، دارت واحدة من أعظم ملاحم العصر الأموي. قاتل الجراح في مقدمة الصفوف، وثبت المسلمون ثباتًا أدهش عدوهم، وتكرر هجومهم رغم التفوق العددي الساحق للخزر. واستمر القتال حتى استشهد الجراح باذن الله مقدم غير مدبر في شجاعة و إقدام، وسقط معه عدد كبير من أصحابه.
بسقوط أردبيل انفتح الطريق أمام الخزر لغزو العالم الإسلامي، فتوغلت جيوشهم جنوبًا حتى أصبحت طلائعها على مقربة من الموصل في شمال العراق، وأصبحت الدولة الأموية أمام أخطر تهديد عرفته حدودها الشمالية.
لكن الخليفة هشام بن عبد الملك كان يراقب في حذر بعين صقر عربي ، فأرسل القائد سعيد بن عمرو الحرشي لإنقاذ الجبهة.
وصل الحرشي بسرعة، لكنه لم يرتكب خطأ مواجهة الخزر دفعة واحدة. فقد كانت قواتهم قد تفرقت بعد احتلال أردبيل مجموعات للنهب والسيطرة على المناطق المفتوحة و القرى ، فاستغل ذلك، وبدأ يهاجم مفارزهم واحدة بعد الأخرى و يقضي عليهم ، حتى وصل إلى القوة الرئيسية في معركة حاسمة، قُتل فيها الأمير بارجك، قائد الحملة الخزرية و قطع راسه و أرسلها للخليفة ، فانهارت معنويات جيشه، واستعاد المسلمون مدينة أردبيل، وتوقف الزحف نحو العراق.
بعد ذلك عهد الخليفة إلى أخيه الجرادة الصفراء مسلمة بن عبد الملك بقيادة جبهة القوقاز، فأعاد تنظيم الجيش، وحصّن مدينة باب الأبواب (دربند)، وأعاد بناء الدفاعات، وقاد عدة حملات تأديبية ناجحة أعادت السيطرة على الثغور الإسلامية، ومهدت الطريق للهجوم الكبير.
ثم ظهر القائد الذي سيغيّر مجرى الحرب كلها…
إنه مروان بن محمد، و الذي سوف يصبح فيما بغد آخر خلفاء بني أمية، والذي عُرف بلقب مروان الحمار.
ولم يكن هذا اللقب انتقاصًا منه، بل لأن العرب كانت تضرب بالحمار المثل في الصبر وقوة الاحتمال، وقد عُرف مروان بجلده العجيب في الحروب ضد الخزر ، حتى أصبح مضرب المثل في الثبات وعدم التعب.
رفض مروان أن تبقى الحرب داخل أراضي المسلمين، وقرر نقلها إلى قلب بلاد الخزر.
فانطلق من أرمينيا، وعبر باب الأبواب (دربند) في جنوب روسيا الحالية، ثم اجتاز جبال القوقاز، ليقتحم السهول الروسية الواسعة الممتدة شمالها.
وفي سنة 119هـ/737م قاد واحدة من أجرأ الحملات العسكرية في تاريخ الإسلام، متوغلًا مئات الكيلومترات داخل بلاد الخزر، حتى بلغ منطقة أتيل، عاصمتهم الواقعة قرب دلتا نهر الفولغا، بالقرب من مدينة أستراخان في جنوب روسيا اليوم.
فرّ خاقان الخزر أمام تقدم المسلمين، لكن مروان لم يكتفِ بدخول العاصمة، بل واصل مطاردته عبر سهول الفولغا الشاسعة الباردة ، حتى ألحق بالخزر هزيمة قاسية، انتهت بطلب خاقان الصلح وقبوله بالشروط الأموية، مع تعهده بوقف الاعتداءات على حدود الدولة الإسلامية.
لقد كان الجراح بن عبد الله رمز البطولة والتضحية، وكان سعيد بن عمرو الحرشي القائد الذي أوقف الغزو وأنقذ العراق، وكان مسلمة بن عبد الملك صاحب الفضل في إعادة بناء جبهة القوقاز، أما مروان الحمار فكان القائد الذي أنهى خطر الخزر، ونقل الحرب إلى عقر دارهم، حتى بلغت الجيوش الأموية أقصى نقطة وصلت إليها في الأراضي التي تقع اليوم داخل روسيا.
إنها صفحة مشرقة من تاريخ المسلمين، قلّما تُذكر، لكنها تروي كيف تحولت هزيمة قاسية إلى نصر عظيم، وكيف حفظت شجاعة الرجال وصبر القادة حدود الدولة الإسلامية من أخطر غزو عرفته في ذلك العصر.
📚 المصادر:
البلاذري ، فتوح البلدان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى