تاريخ العرب

أبو يزيد النكّاري

الرجل الذي كاد يُسقط الدولة الفاطمية:

في سنة 332هـ ، كانت الدولة الفاطمية تبدو في أوج قوتها .. الأوامر تصدر من القصور ، والجيوش تنتشر في الأقاليم ، والمدن الكبرى تخضع لسلطانها من المغرب إلى إفريقية ، وكان كثير من الناس يظنون أن هذه الدولة الصاعدة أصبحت عصيّة على السقوط.
لكن بعيدًا عن قصور الحكام ، كان رجلٌ نحيل الجسد ، شديد العزم ، يحمل في صدره نارًا لا تهدأ .. إنه “أبو يزيد مخلد بن كيداد النكّاري”.
رجلٌ إستطاع أن يحوّل حالة السخط المنتشرة بين القبائل والمدن إلى ثورةٍ عارمة ، ستُدخل الدولة الفاطمية في أخطر أزمةٍ عرفتها منذ قيامها..!!
– شرارة الثورة:
ما إن أعلن” أبو يزيد” ثورته ، حتى بدأت القبائل والمدن تتجاوب معه بصورة مذهلة .. مدينة بعد أخرى ، وحصن بعد آخر ، وجيش بعد جيش ، كانت راية الثورة تنتشر بسرعةٍ أخافت الجميع.
وفي فترة قصيرة ، وجد الفاطميون أنفسهم يخسرون مناطق واسعة ، بينما كان الثوار يقتربون أكثر فأكثر من قلب الدولة ، لم تعد المعركة مجرد تمرد محلي .. أصبحت حربًا على بقاء الدولة نفسها ..!!
– على أبواب العاصمة:
توالت الإنتصارات حتى وصلت جيوش “أبو يزيد” إلى مشارف (المهدية) عاصمة الفاطميين المنيعة ، ومن فوق الأسوار ، كان السكان يتابعون المشهد بقلقٍ بالغ.
أخبار الهزائم تصل تباعًا ، والثوار يضيقون الخناق يومًا بعد يوم .. حتى إن كثيرًا من المعاصرين اعتقدوا أن سقوط الدولة أصبح مسألة وقت لا أكثر .. كانت الدولة الفاطمية تقف بالفعل على حافة الهاوية.
– سنوات من الدم والنار:
لكن الحصار طال ، والمعركة التي ظنها الجميع قريبة النهاية تحولت إلى حرب إستنزاف مرهقة.
أيام من الكر والفر ، ومعارك ضارية ، ومدن تنتقل من يدٍ إلى أخرى ، وقبائل تغيّر ولاءاتها تبعًا لتقلبات الحرب.
ومع مرور الوقت بدأت قوة الثوار تتآكل شيئًا فشيئًا .. الإمدادات تقل ، والخلافات تزداد ، والإنهاك يضرب صفوف المقاتلين.
– ظهور “المنصور”:
وفي تلك اللحظات الحرجة ظهر الحاكم الفاطمي”المنصور بالله” ، فأعاد تنظيم الجيش ، ورفع معنويات أتباعه ، وقاد حملةً مضادة قلبت مسار الحرب بالكامل.
بدأت المدن التي سقطت سابقًا تعود إلى السلطة الفاطمية ، وأصبح الثوار الذين كانـوا قبـل سنـوات يهـددون العاصمـة .. هـم أنفسهـم ينسحبـون أمـام الهجمـات المتلاحقـة ..!!
– النهاية:
إستمرت المطاردات والمعارك حتى إنتهى الأمر بهزيمة “أبو يزيد” سنة (336هـ / 947م) ، وأُسدل الستار على واحدة من أعنف الثورات في تاريخ المغرب الإسلامي.
ثورةٌ لم تكن مجرد تمرد عابر.. بل زلزالًا سياسيًا وعسكريًا كاد أن يمحو الدولة الفاطمية من الوجود وهي في بداياتها.
ولهذا ظل المؤرخون ينظرون إلى ثورة “أبو يزيد” بإعتبارها أخطر تهديد واجه الفاطميين طوال تاريخهم.
📚 المصادر:
– اتعاظ الحنفاء.
– البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب.
– الكامل في التاريخ. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى