تقارير وتحقيقات

لماذا يعود النتنياهو إلى البيت الأبيض من موقع “الخاسر” هذه المرة؟

كتب:هاني الكنيسي
قبل ساعات من اجتماع ‘بيبي’ مع الرئيس الأميركي في البيت الأبيض غداً الثلاثاء، يطرح الكاتب الأمريكي ‘فرانكلين فور’ Franklin Foer في مجلة ‘ذا أتلانتيك’ قراءةً نقدية لتطورات العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، في مقال لافت بعنوان “كيف خسر نتنياهو أميركا؟” How Netanyahu Lost America، مستخلصًا أن الرجل الذي قدّم نفسه على مدى أربعة عقود كـ”خبير في شؤون أميركا” وكيف تحوّل هو نفسه إلى أهم أسباب تراجع مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
الكاتب المخضرم الذي يُعد أحد أبرز الأقلام في الشؤون الدولية، يعود في تحليله إلى البدايات منذ عام 1982، حين كان نتنياهو مجرد مدير تسويق لشركة أثاث في القدس، قبل أن يلتقطه السفير الإسرائيلي في واشنطن آنذاك (‘موشيه آرنز’ Arens)، ويقرر أن “السلعة التي يجب أن يبيعها بنيامين ليست المقاعد أو الطاولات، بل إسرائيل نفسها”.
ووفقًا للمقال’، كانت تلك هي “نقطة التحول” التي جعلت النتنياهو يظهر متحدثًا بطلاقة في أهم برامج التلفزيون الأميركي الحوارية وأكثرها جماهيرية، مثل Nightline وLarry King Live بـ”إنجليزية أميركية بلا لكنة”، اكتسبها من طفولته في ضواحي ‘فيلادلفيا’.
ومنذ ذلك الوقت، نصّب الرجل نفسه “حارسًا” لمكانة إسرائيل في أميركا– حسب تعبير الكاتب.
لكن ‘فور’ لا يلبث أن يستدرك أن النتنياهو، رغم كونه أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة، قد “فشل فشلاً ذريعاً” في المهمة التي اعتبرها جوهر دوره السياسي.
فقبل عقد واحد فقط، كانت إسرائيل “القضية الوحيدة تقريبًا” التي تحظى بإجماع الحزبين الرئيسيين في واشنطن. الديمقراطيون انتقدوا نتنياهو باعتباره عقبة أمام حل الدولتين، لكنهم لم يشككوا في العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل. و”اليوم، تغيّر كل شيء” – على حد تعبير ‘فور’.
وفي مسوغات طرحه، يستشهد المقال بأرقام فارقة: قبل عامين، صوّت 19 نائبًا ديمقراطياً ضد صفقة أسلحة لإسرائيل. وفي أبريل الماضي، ارتفع العدد إلى 40 من أصل 47، بينهم معظم المرشحين المحتملين للرئاسة عن الحزب.
هذا التحول -كما يصفه الكاتب الأمريكي- “ليس مجرد خلاف سياسي، بل انهيار في الإجماع الأمريكي حول إسرائيل”.
ثم يستعين بمثال ‘زهران ممداني’ عمدة المدينة (نيويورك) ذات الجالية اليهودية الأكبر في العالم، والذي يُجاهر بمعاداته للصهيونية، بل وتعهد علنًا بالعمل على اعتقال “مجرم الحرب” النتنياهو.
وفي مثال آخر، يشير الكاتب إلى ناشطة من جامعة كولومبيا، كانت قد شاركت في مظاهرة 8 أكتوبر 2023 المؤيدة للفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي “على الأرجح ستُنتخب للكونغرس المقبل”، حسب تعبيره.
كما يذكر الكاتب أن عضوين ليبراليين بارزين في مجلس الشيوخ، هما ‘كريس ميرفي’ Chris Murphy من ولاية ‘كونيتيكت’، و’كريس فان هولن’Chris Van Hollen من ولاية ‘ماريلاند’، جعلا “انتقاد إسرائيل” محوراً أساسياً في خطابهما السياسي.
هذه الأمثلة، كما يقول ‘فور’، ليست أحداثاً معزولة، بل نتيجة “تراكمات طويلة في علاقة نتنياهو مع واشنطن”، خصوصاً منذ دخوله في صدامات متكررة مع إدارة ‘باراك أوباما’، ثم تحوّله إلى “حليف شبه حصري” للجمهوريين، وتحديداً لترمب. هذا “التموضع الحزبي” جعل إسرائيل تُقرأ في الولايات المتحدة كقضية “سياسية يمينية”، لا كقضية استراتيجية جامعة، وهو ما أدى إلى “تآكل الدعم” داخل القاعدة الديمقراطية، خصوصاً بين الشباب والليبراليين.
وفي السياق ذاته، يستشهد الكاتب بنتائج استطلاعات الرأي الأميركية خلال العامين الماضيين، مثل استطلاعات مؤسسة ‘غالوب’ Gallup ومركز ‘بيو’ Pew التي أظهرت أن “التعاطف مع الفلسطينيين” تجاوز -لأول مرة- مستويات التعاطف مع إسرائيل بين الديمقراطيين، وحتى على مستوى الشباب من الجمهوريين.
هذه التحولات، كما يكتب ‘فور’، جعلت النتنياهو يعود إلي واشنطن اليوم “أضعف مما كان في أي زيارة سابقة”.
المقال يربط أيضاً بين تراجع مكانة إسرائيل وبين طريقة إدارة النتنياهو لحرب الإبادة في غزة عقب هجمات 7 أكتوبر. إذ يرى الكاتب أن “الصور المأساوية القادمة من غزة، والاتهامات الدولية المتصاعدة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب”، جعلت مهمة الدفاع عن إسرائيل في واشنطن “شبه مستحيلة”.
ويضيف ‘فرانكلبن فور’ أن ‘بيبي’، الذي كان يفاخر بأنه يعرف أميركا أكثر من أي زعيم إسرائيلي آخر، أصبح اليوم “رمزاً للسياسات التي أبعدت أميركا عن إسرائيل”، وأن ترمب نفسه بات ينظر إلى إسرائيل “من زاوية سياسية داخلية أكثر من كونها علاقة استراتيجية ثابتة”.
ثم يخلص في ختام المقال أن “العلاقة بين الحليفين لم تعد كما كانت، وربما لن تعود”.
طارق هاشم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى