
هذا الذي قرّرَ
أن يتركَ الشعرَ والأصدقاءَ والحبَّ
دون أن يعلنَ
عن نهايةٍ تليقُ بالنهاياتْ
أن ينسحبَ بهدوءٍ
من هذا الفضاءِ الذي ظلَّ سنواتٍ يمنحهُ أسماءً كثيرةً
ولا يمنحهُ مكانا واحدا يستريحُ فيهْ
لم يعدْ يريدُ
أن يشرحَ ما يشعرُ بهِ
ولا أن يبحثَ عن جملةٍ أخيرةٍ تُقنعُ الذين أحبّوهُ
بأن الرحيلَ لم يكنْ ضدَّ أحدْ،
سيضعُ القصائدَ في مكانها القديمْ ويتركُ للأوراقِ بياضَها
وللأصدقاءِ
أحاديثَهم التي لم يعدْ يعرفُ كيف يدخلُ إليها
أما الحبُّ
فسيمرُّ من أمامهِ كما تمرُّ الأشياءُ التي أحببناها حقا
ولا نملكُ الشجاعةَ لنكرهها،
لن يغلقَ البابَ بعنفْ
سيتركهُ مواربا قليلا ربما انتظارا لأحدْ
أو احتراما لما كان هنا ذاتَ يومْ
ثم يمضي
خفيفا هذه المرةْ دون قصيدةٍ تصفُ الطريقَ
ومن دون صديقٍ يسألهُ إلى أينْ،
يكفيهِ
أن يعرفَ أنَّ بعضَ الرحيلِ لا يحتاجُ إلى سببٍ جديدْ
يكفي
أن يتعبَ القلبُ من تكرارِ المكانِ
ومن الوقوفِ طويلا
في الجهةِ ذاتِها
وهكذا
يتخلّى عن الشعرِ كما يتخلّى المرءُ عن نافذةٍ
ظلَّ يطلُّ منها
حتى حفظَ الشارعَ ولم يعدْ يرى شيئا جديدا
ويتخلّى عن الأصدقاءِ
ربما لأنهم تغيّروا و المسافةَ صارت أصدقَ
من الكلامْ،
ويتخلّى عن الحبِّ
دون أن ينفيَ أنه كان جميلا
فبعضُ الأشياءِ تنتهي دون أن تكونَ مخطئةً،
وفي آخرِ الأمرْ
لا يبقى منهُ إلا رجلٌ يمشي إلى يومهِ بملابسَ عاديةْ،
لا يحملُ في جيبهِ
قصيدةً
ولا وعدا
ولا موعدا
وحين يلتفتُ مرةً واحدةً إلى هذا الفضاءِ الذي كان يومًا
عالمَهُ كلَّه لا يلوّحُ
فقط
يبتسمُ قليلا كأنَّه يقولُ للحياةِ التي تركها:
كنتُ هنا بكلِّ ما أملكْ
والآن
أريدُ أن أكونَ في مكانٍ لا يطلبُ مني
أن أكونَ شيئا آخرْ،
انتهى،