تقارير وتحقيقات

من وثائق 7 أكتوبر الإسرائيلية .. أوامر الحرب مفتوحة النهاية على غزة ولبنان وسوريا وإيران، ومسلسل الاغتيالات المزمنة

كتب:هاني الكنيسي
في الساعة 12:06 ظهراً يوم 7 أكتوبر 2023، وبعد ساعات قليلة من الهجوم الذي شنته حماس، صدر أمر عملياتي من الجيش الإسرائيلي لبدء التعامل مع الحرب الجديدة. وعلى عكس معظم الأوامر العسكرية، لم يتحدد ذلك الأمر الذي حمل اسم “السيوف الحديدية” بمهمة ومرحلة زمنية محددة. وتحول لاحقا إلى حرب مفتوحة على أكثر من جبهة، لم تتوقف نيرانها إلى يومنا هذا.
في الساعات الأولى من ذلك اليوم، لم تكن القيادة العسكرية الإسرائيلية تعرف الحجم الكامل للاختراق البري في محيط غزة، ولا العدد النهائي للقتلى والمفقودين والمخطوفين، ولا حتى مدى انتشار المهاجمين داخل البلدات والمستوطنات.
كانت تعرف شيئاً واحداً: هجوم واسع يجري على أكثر من محور، آلاف الصواريخ أُطلقت، ومخاوف من اختطاف جنود واحتمال انتقال المواجهة إلى جبهات أخرى، وعلى رأسها لبنان.
كان الهدف المعلن في الأمر العسكري هو استعادة السيطرة على الحدود والجبهة الداخلية، منع تحقيق مزيد من المكاسب، ضرب التنظيمات المسلحة في غزة، وتهيئة الظروف لعملية أوسع داخل القطاع، مع الاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال اندلاع حرب متعددة الجبهات.
في 17 سبتمبر 2024، أي بعد 345 يوماً من 7 أكتوبر، صدر أمر جديد أصبحت بموجبه الجبهة الشمالية هي مسرح العمليات الرئيسي. واللافت أن جيش الاحتلال لم يبدأ عدّاً جديداً للحرب؛ بل ظل التاريخ نفسه هو نقطة الصفر: D+345.
فقط تغير الهدف المعلن، وتمحور في إعادة سكان الشمال الإسرائيلي إلى منازلهم بعدما هجروها هلعاً من قذائف حزب الله. أصبحت جبهة لبنان هي الرئيسية، وتحولت غزة إلى جبهة ثانوية، مع استمرار عمليات الإبادة فيها.
وبحسب الوثائق، باتت حرب 7 أكتوبر إطاراً استراتيجياً تتفرع منه عمليات في أكثر من ساحة لكن بالعقلية الانتقامية والآلية التدميرية ذاتها.
وفي الرابعة صباحاً من 8 ديسمبر 2024، صدر أمر العمليات للهجوم الإسرائيلي على سوريا،
كان وقف إطلاق النار مع حزب الله قد دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر، فيما بدأت فصائل المعارضة السورية في أواخر الشهر نفسه هجوماً واسعاً انتهى بانهيار نظام بشار الأسد ودخول قوات أبو “محمد الجولاني” (أحمد الشرع) العاصمة دمشق.
يشير الأمر الإسرائيلي إلى موافقة القيادة السياسية على تنفيذ ضربات داخل سوريا “خلال فترة التنفيذ وحتى إقامة واقع أمني جديد على الجبهة السورية”. لكن الوثيقة لا تحدد ما المقصود بفترة التنفيذ، ولا تشرح ماهية “الواقع الأمني الجديد” الذي رسمته إسرائيل غايةً لها في سوريا الجديدة.
وخلال وقت قصير، تحولت معلومات استخباراتية تراكمت على مدى سنوات عن الجيش السوري وقدراته إلى عملية عسكرية واسعة. فتحركت قوات الاحتلال في المنطقة المحاذية للجولان، وسيطرت بسهولة على مواقع ومساحات واسعة، بينها منطقة قمة جبل الشيخ، بينما نفذ سلاح الجو حملة عنيفة لتدمير قدرات عسكرية ومواقع استراتيجية سورية.
وبعدها تحولت الأنظار نحو الجبهة الإيرانية. فتقدم الوثائق نموذجاً مختلفاً: ليس فقط بشأن سرعة الانتقال من المعلومات الاستخباراتية إلى التنفيذ، بل أيضا عن احتدام الجدل والنقاشات التي سبقت إصدار الأمر العملياتي. إذ اختلف القادة السياسيون حول ما إذا كان الهدف هو “تقليص” التهديد الإيراني أو “دَفعه إلى الوراء”، في ظل ضبابية الموقف من التدخل الأمريكي المباشر.
في 13 يونيو 2025 بدأت عملية “الأسد الصاعد” ضد إيران، وفي السادسة صباحاً من اليوم التالي صدر أمر عملياتي حدد اسم الحملة وأهدافها. ووفق الوثيقة، شملت الأهداف منع إيران من امتلاك قدرة نووية على المدى الطويل، وضرب النظام، واستهداف ما وصفته بـ”مراكز ثقل” غير محددة، وتحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل. لكن الأمر العملياتي، مثل أمر 7 أكتوبر، لم يحدد موعداً لانتهاء المهمة.
أما أكثر وثائق الجيش الإسرائيلي إثارة، فتلك المتعلقة بأوامر الاغتيالات.
في 13 يوليو 2024 صدر أمر عملية تصفية محمد الضيف قائد الجناح العسكري لحماس، ورفاعة سلامة القيادي في كتائب القسام. أسندت قيادة الضربة إلى سلاح الجو الإسرائيلي، وكُلفت القيادة الجنوبية بتهيئة الوضع على الأرض وإزالة التهديدات، بينما بقي دور الاستخبارات محجوباً عن النشر.
وبعد أسبوعين تقريباً، في 30 يوليو 2024، صدر الأمر الخاص باغتيال فؤاد شكر الذي وصفته الوثيقة بأنه المسؤول عن “المنظومة الاستراتيجية” لحزب الله. وتضمن الأمر تحديداً للمهام وتقديراً للخسائر الجانبية (القتلى والجرحى من المدنيين اللبنانيين) والأضرار البيئية (تدمير البنى التحتية)، إضافة إلى نافذة زمنية للتنفيذ، مع شرط واضح: أي انحراف عن الخطة يتطلب موافقة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي.
ثم توالت سلسلة الاغتيالات في لبنان؛ إبراهيم عقيل في 20 سبتمبر، وبعده حسن نصرالله زعيم حزب الله في 27 سبتمبر، ومعه علي كركي قائد الجبهة الجنوبية في الحزب، و’عباس نيلفروشان’ قائد فيلق لبنان التابع للحرس الثوري الإيراني.
ويتضح من الوثيقة المنشورة في “إسرائيل هيوم” أن ‘نيلفروشان’ لم يُقتل بالصدفة، بل كان أحد الأهداف المقصودة للعملية منذ البداية، بينما يبدو أن الكركي لم يكن في الحسبان.
وتقسم الوثيقة عملية استهداف نصرالله إلى ثلاث مراحل: جمع المعلومات والتحقق من هوية الأهداف ووجودهم في الموقع، ثم تنفيذ الضربة، ثم جمع المعلومات بعد الهجوم لتقييم الأضرار، أو Battle Damage Assessment (BDA)، والاستعداد للرد المتوقع من حزب الله وإيران، بما في ذلك الاستعداد لـ”دفع ثمن” لطهران.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى