كتاب وشعراء

الموسيقى امرأة….بقلم أماني الوزير

في القرنِ الأخير…
لم يَعُدْ يُسمحُ للنساءِ
بأكلِ المانجو.
قالوا:
إنَّ الثمرةَ
تُوقظُ في الجسد ذاكرةً قديمةً…
ذاكرةً كادت أن تكونَ سببًا
في سقوطِ نوتة كاملة في سيمفونية عذراء.
كلُّ النساءِ
امتثلنَ للقانون…
إلَّا امرأةً واحدة، لم تأكلِ المانجو…
بل نظرتْ إليها حتى نضجت.
بعد أسبوع…
أنجبتِ الأشجارُ ثمارًا
تُشبهُ دقَّاتِ القلب.
وأصبحتِ العصافيرُ
تُغنِّي، حتى صار للزقزقةَ
صوتًا أنعمَ، وأرقَّ.
ومنذ ذلك اليوم…
لم يَعُدْ أحدٌ
يُفرِّقُ بين القبلةِ والدندنة.
كانوا يقولون:
الموسيقى تُسمَع.
أمَّا أنا…
فكنتُ أخلعُها من صوتي
كما تُخلَعُ النايات شجنها قبل النوم .
أتركُها
فوقَ عنقِ الليل،
تُعانقُ الستائرَ، وتطيرُ بلا أجنحةٍ
خارجَ النوافذ.
تُغوي،
تُبادر،
وتزرعُ الحنينَ
كزهرةِ لوزٍ في آخرِ اللحن،
بعدَ منتصفِ الفتنة.
الرجلُ الذي أحبَّني…
لم ينسني.
وذلك كان عقابَه.
صار كلَّما اشتهى أغنيةً…
تذكَّر صوتي.
وكلَّما شربَ الماء…
ابتلَّ اسمي
في حلقِه.
وكلَّما قبَّلَ امرأةً…
اعتذرَ لي
دونَ أن يعرفَ لماذا.
قال الطبيب:
هذه ليست أعراضَ عشق.
إنها…
بقايا موسيقى عالقة في مخيلته.
وأنا معه…
كنت كلما دنوت من لحن أحبُّه…
أرتدي الحرير.
فيتخفَّى أثره في جلدي…
حد إنّه كان يحتار
أيُّنا أشدُّ نعومةً.
حين يتمايلُ على اللحنِ خصري.
أمي كانت تقول:
لا ترتدي الحرير إذا كان القمرُ بدرًا.
فالحريرُ لا يعرفُ كيف يصمت
في حضرة رجل.
وأنا…
كنتُ أعصيها بشقاوةٍ.
لأن الليلَ كان يذوب بيننا كقطعة حلوى كلما مرت شفتيه على كتفي.
في مساءات الجمعة…
مُنعت النساءُ
من الضحك بصوتٍ مسموع.
وعندما قرَّرتِ الحكومةُ
مصادرةَ الموسيقى…
دخلَ الجنودُ بيتي.
فتَّشوا الأدراج.
فتحوا النوافذ.
كسروا المرايا.
ثم خرجوا…
وفي التقريرِ الرسميِّ كتبوا:
“لم نعثرْ على شيءٍ، إلَّا امرأةً تُخبِّئُ في حنجرتِها نايًا.”
ومنذ ذلك المساءِ…
صار الجنودُ
يعودونَ إلى بيوتهم
وهم يُصفِّرون…
لأنهم فهموا أخيرًا…
أنَّ الموسيقى…
إذا كانت امرأةً…
لا تُخبَّأ في الألحانِ الناعمةِ فقط.
بل في الطريقةِ
التي ينسى بها العالمُ
أنَّه كان آمنًا…
قبل أن تمرَّ
ضحكتُها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى