كتاب وشعراء

الأعنف الرهيب …..قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

عرفته صغيراً وكان مماثلاً لنا في كل شيء ، في فترة الطفولة المبكرة التي تختفي فيها الفروقات الحادة بين الأطفال ؛ إلا ما يكشف نبوغهم وتفردهم أو تخلفهم وسكن الإجرام في خلايا تكوينهم وبصمتهم الجينية ؛ وبعد أعوام من إفتراق جماعة صحبتنا المبكرة التي كان هو أحد أعمدتها الأساسية والدائم الحضور والفاعلية في كل ما نفعل أو نلهو او نمجن ؛ وبعد الإفتراق ؛ عرفت عنه أنه قد أصبح ضابطاً وأنه قد أصبح ذا شهرة ؛ في تخصصه الأمني ، ولكني طوال فترة صعوده في عمله لم أحاول أن التقيه وأن أذكره بصحبتنا القديمة ؛ في مدينتنا القديمة ؛ ولا بنشئتنا التي كان يبدو منها أننا صديقان مقربان لبعضهما متماثلان في الإهتمامات والهوايات وأن بيتنا كان ملاذاً له عندما تتكدر عليه أوقاته في حياته غير المستقرة بعد إنفصال أبويه بالطلاق السريع المفاجئ .
وقد التقيته ذات يوم صدفة بعد حوادث عنف الشوارع التي وصلت إلى حد الحرب الأهلية وكنت أحسب أنه نسيني ونسي حياته في صحبتنا وأوقاته في بيتنا ؛ واحتضان أبي وأمي له ؛ كأنه أخ شقيق لنا .
كان يقود قوات الأمن التي فضت في عجلة وفي قسوة وفي قتل مفرط أعداداً من المحتجين ضد النظام .
فلما شاهدني وعرفني : استوقفني وقال ليّ :
– “إني أعرفك ” ؟! .
فقلت له : وأنا أيضاً .
قال : “لقد عرفتك من صورتك على كتاباتك” .
فقلت له : وأنا أتتبع أصداء شهرتك في الرماية وشهرتك الأمنية وعلاقتك بالممثلة الشهيرة وقرب سيدات الفن والمجتمع منك ، وأتتبع خصوصاً ما يقال سراً وعلانية عن قسوتك المفرطة ؛ وكيف صرت الأعنف ؟! وقد كنت أنت الأكثر طيبة ورقة من بين كل جماعتنا ؟! .
— : “لقد تعلمت درسي الأهم في الحياة على يديه ؛ بل كان معلمي الحقيقي برغم أني لم أره شخصياً ولا مرة ، ولكني كنت قد سمعت عنه وقرأت كل ما قال به ، ووجدتني مستوعباً لأقصى مدى مقولاته ونهج فهمه للحياة ، وقد وجدت مقولاته تطوع لنفسي ما أفعله في حياتي ؛ حتى صرت ما أنا عليه ” .
وواصل كأنه يتلو محفوظاً بداخله :
— “كانت مقولاته لمن يريد النبوغ الأمني عقيدة ؛ كان يقول : ” لا وقت للإختلاف ؛ أطلق الرصاص أولاً ثم بعد ذلك اعتذر عن حدوث القتل الخطأ ، وأحياناً لا وقت للإعتذار عن القتل الخطأ ؛ إنها الحياة لا وقت لأي شيء غير أن تصفي عدوك أو خصمك ؛ الموت أطلق رصاصته ضدك منذ يوم ولدت ؛ وهى في الطريق إلى قلبك الآن دون خطأ ؛ دون أدنى خطأ ، ولكنها السرعة التي تسير بها رصاصة الموت إليك ” .
” لا مجال أن تحايد أحداً أو تعتذر لأحد : الكل إما طائعاً أو يصبح عدواً واجب القنص ” .
حاولت أن أقاطعه لأرد على ما أسمع ، وهو ينقل عن معلمه ، ما صار بالنسبة له عقيدة حياة ، ولكنه قاطعني وكأنه يأمرني بعدم فتح فمي ، وواصل هو ترديد كلام معلمه :
“لقد كان الاختيار الوحيد المتاح أمامنا في البدء هو اختيار ” الملهاة ” التي سوف نمثلها على مسرح الحياة ، عندما يحين آوآن الدور وعليك أن تكون جاداً جداً وحذراً جداً أمام أتفه التوافه ، فالتافه من الأشياء قاتل مثل الجاد ” .
توقف لالتقاء أنفاسه لكي يلقي جملته الأخيرة :
— ” المتشابهون يتجمعون ؛ فهذا أفضل لاستمرارهم على قيد الحياة ” .
قلت لأبن الطفولة المشتركة : “وأين معلمك هذا الآن ؟! ” .. وكنت بقراءاتي ومعلوماتي ، عن أصحاب نظريات التطرف في العمل السياسي والأمني والعسكري ، أعرف الشخص الذي يقصده والفاجعة التي انتهت بها حياته والنهاية المؤلمة التي صار إليها في نهاية أيامه بعد هروب زوجته الأمريكية منه واصطحابها معها أبنهما الوحيد وإرهاقها له بما تطلب دائماً من أموال يرسلها إليها .
فقال بجمود وعجرفة المتعالي ؛ على الشخص المشاكس في الحوار ؛ وهو يعلم أنه صاحب سلطة باطشة لا يتورع عن استعمالها مع أي شخص :
— ” لقد انتحر ، تخلصاً من عذاب حياته ، في أيامه الأخيرة ” .
فقلت لصديق طفولتنا الذي غدا وحشاً أمنياً شهيراً ، وأنا أبغي لا صداقته مجدداً أبداً وكنت أحاول أن أصبح له ” لا عدو ” :
” هل تبيع جهودك لهذا النظام عن قناعة ؟! ” .
قال في حسم : “إني أمني محترف ؛ إنتمائي إلى مهنتي وولائي لاستمراري في عملي ” .
قال جملته الأخيرة ، كأنه قتلني وأخفى جثتي ، أو ألقاها في العراء . ولم يودعني ولم يطلب لقائنا مرة أخرى ولم يسأل عن أي شخص زاملنا طفولتنا ولم يتحدث عن أي واقعة أو ذكرى ؛ فقط تركني واقفاً وابتعد عن مكاني ؛ فمضيت إلى حالي .
تعجبت له ولتحوله ولتخلقه الجديد الدائم ، ولم يمض وقت طويل على لقائنا الصدفة ؛ حتى قرأت أنه قد أطلق النار على نفسه ، بعدما قتل زوجته رمياً بالرصاص أمام أولاده .
وقد حزنت لفترة طويلة كلما كنت أقرأ سطراً من مأساة حياته التي والت الصحف نشرها لفترة غير قصيرة .
محمد الصبا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى