
اسمٌ على سقف خيمة
إلى كلّ أطفال غزّة الذين نسي العالم وجودهم
رفع يده كمن يكتب على سواعد الملائكة،
ورسم اسمه على قماشٍ مهترئ،
ثم نام تحته بثقة الأنبياء.
في خيمةٍ مائلةٍ على كتف الرّيح، يجلس ولدٌ لا يتجاوز العاشرة من عمره، لكنّ تجاعيد الأرض تحت قدميه تقول إنّه أكبر من عمره، أكبر من الخيمة، ومن الحرب، ومن التّاريخ المدرسيّ الذي لم يُكمل فصله الأول، يحمل ما يشبه الطّين اليابس في راحتيه وليس حقيبة، ويصعد فوق صندوق مقلوب ليكتب اسمه على سقف الخيمة، لم يكن يتقن الكتابة جيّداً، لكنّه كان يعرف أنّ الأسماء التي لا تُكتب على مكان، تُنسى، تُمحى، تُصبح مثل صرخةٍ عابرة في مهبّ التّاريخ، كان يريد فقط أن يقول: “أنا كنت هنا”، لا كبصمة على جدار، إنّما صرخة في هواءٍ لا يتذكّر أحداً.
ولدٌ من لاجئين، وُلِدَ في خيمة لأبوين ولدا في خيمة، وكان جده يحكي له دوماً أنّ العائلة كانت تسكن بيتاً من حجرٍ أبيض، فيه دُرج حلزونيّ، وحديقة فيها نبتة ريحان، لكنّ كلّ ذلك صار الآن تراتيل تُهمَس قبل النّوم، بينما صوت الريح والقصف يضج في الخارج، ورائحة الموت المختلط بالغبار تملأ الرّئة، وكلّما سأل الصّغير: “هل سننجو؟”، سكتت الأم، ثمّ قالت كلمات غير مفهومة، كلمات يُحجب عن الطّفولة، تُخبّأ في صدور الأمهات، تماماً كما يُخبَّأ الخبز تحت الغطاء كي لا يبرد سريعاً.
يكتب الولد اسمه بالأصبع على النّايلون المشدود في سقف الخيمة، كأنّ الحبر أصبح فعلًا جسديّاً، وكأنّ الخطّ حاجة بيولوجيّة، شيءٌ يفعله الإنسان كي لا يُمحى، يكرّر الحروف مراراً، ثم ينظر إلى الأعلى ليطمئن أنّ أحداً ما، من عالمٍ ما، من كائنٍ غامض أو ملاكٍ سيمرّ من هنا، سيقرأ اسمه ويقول له: أنت لست عابراً، لقد رأيتك.
لكنّ سقف الخيمة ليس ورقاً، والرّيح تمحو كلّ شيء، حتّى الأسماء، حتّى الوجوه، حتّى صوت الضّحكة الذي خرج ذات مرّة من فمٍ صغير تحت القصف. سقف الخيمة هشٌّ لا يحتفظ بذاكرة، تماماً كالعالم الذي يمرّ من فوق غزّة دون أن يلتفت، كأنّ غزة ليست مكاناً، هي مجازٌ عن الألم، أو جرحٌ فلسفيّ في جسد الكوكب، يحاول الجميع أن يتجاوزه دون أن يضع عليه ضماداً، أو حتّى أن ينظر فيه بعينٍ كاملة.
في عيون الطّفل، تشتعل أسئلةٌ لم يسمعها الكبار بعد، من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ ولماذا هذا المكان ضيّقٌ لا يتّسع لحقيبة مدرسيّة؟ ولماذا لا أملك سقفاً أعلّق عليه صورة أبي، بدل هذه الخيمةً التي تهتزّ كلّما اشتدّ الغياب؟ لا يملك الطّفل أجوبة، لكنّه يملك الحروف، فيعيد كتابتها من جديد، كلّما محتها الرّيح، كتب اسمه ثلاث مرات، ثمّ جلس يتأمّل، لا أظنّ أنّه كان يعبأ بتصفيقٍ أو تصديق، بقدر ما كان يبحث عن يقين بسيط: إنّني لم أُخلق عبثاً، وإنّ مكاني هنا، ولو مؤقتاً، له معنى، ولو ضئيلاً.
الخيمة ليست مدرسة، لكنّها علّمت الولد كلّ شيء عن الزّوال، عن المؤقّت، عن المعنى الذي لا يُقال في الكتب، بل يُجرب بالدّم، بالنّوم المتقطّع، بالخوف من زخّة مطر، بانتظار شيءٍ لا يأتي أبداً، في تلك الخيمة تعلّم أنّ الوقت لا يُقاس بالسّاعات، بل بعدد المرّات التي نجوت فيها من القصف، أو بعدد الليالي التي سمعت فيها أمّه تبكي بصمت، وكأنّها تعتذر لكلّ ما لم تستطع فعله، تعلّم أنّ الوطن ليس مجرّد مكانٍ يعود إليه الإنسان، أنّما هو الفكرة التي تمنعه من الذّوبان.
هذا الغزّي الصغير لا يعرف كلمة “فلسفة”، لكنّه في لحظة واحدة أدرك شيئاً لم يدركه سقراط ولا أفلاطون، أدرك أنّ الإنسان لا يصير إنساناً إلّا إذا كتب اسمه، ولو بأصبعه، على جدارٍ مائل، في خيمةٍ مهزوزة، في لحظة عابرة من زمنٍ يُحذف من نشرات الأخبار، أدرك أنّ الخلود ليس في الكتب، بل في المجاز، في الرّغبة أن تقول: هذا أنا، ولو لم يصدّقك أحد، ولو مُحيت بعد ثانية، لقد قاومت، كتبت، صرخت، ثمّ جلست وانتظرت أن تمرّ السّماء، عسى أن يكون فيها سطرٌ واحدٌ من قصّتي.