
الماءُ هنا لم يعد ماءً،
بل ذاكرةُ وطنٍ يتدلّى على حافةِ العطش،
يبتلعُ ملامحَهُ حين يفيضُ الكلامُ ولا يكتملُ المعنى،
كأنّ الموجَ يراجعُ وجوهَ العابرين ثم يتركها معلّقةً بين الحضور والغياب.
يتركها ملحاً
لا طعماً في الشفاه،
بل ما تبقّى من حكاياتٍ قديمة،
من خبزٍ لم يعد يُقسمُ بعدل،
ومن عيونٍ تعلّمت أن تبتلعَ الدمعَ كي لا يُرى الانكسار،
قطراتٍ تفيض من المآقي كأنها صلاةُ صبرٍ لا تنتهي.
إشاراتُ البداية واضحةٌ هنا،
في وطنٍ تتشابكُ فيه الطرقُ كما تتشابكُ الأعصابُ في جسدٍ متعب،
قدرٌ لا مفرَّ منه،
لكننا لا نتركُ اللغةَ شظايا تبحثُ عن اسمٍ لما يحدث،
بل نرفعها شاهدةً على ما نكون،
ويصيرُ الوجهُ طبقاتِ عابرينَ مرّوا وتركوا عليه صدأَ مواقفهم،
وهنا يتجلّى الصمودُ في أبسط تعريفاته:
أن نُبقي الملامحَ قابلةً للنجاة.
كثيرونَ كانوا أضواءً صغيرةً في ليلِ هذا المكان،
اقتربوا ثم خفتوا،
كأنّ العتمةَ تعلّمت كيف تُطفئُ ما يضيءُ فيها،
ويمرّونَ بخطىً تشبهُ الصمتَ حين يثقل،
يتركونَ دفئاً لا يكفي لشتاءٍ واحد،
لكنه يكفي لتذكّرِ أن البردَ ليس طارئاً بل مقيمٌ.
وآخرونَ لم ترفعهم خرائطُ الضجيج،
لكنهم ظلّوا جدراناً خفيَّةً حين يميلُ البيت،
يمسكونَ بما يتشقَّقُ في الداخل كي لا ينهارَ كلُّ شيءٍ دفعةً واحدة،
في هذا القلبِ الذي لا يُولدُ من لحظةٍ،
بل من تراكمِ ما لا يُقال،
ومن صبرٍ يشبهُ الأرضَ حين تحتفظُ بما سقطَ فيها ولا تبوح.
والوفاءُ…
الوفاءُ يا سادة
ليس ميناءً،
بل نجاةٌ مؤجّلة،
تعلّمُ من يعيشون هنا كيف يقرؤونَ الموجَ دون أن يغرقوا فيه،
وكيف يبقونَ واقفين
ولو على ماءِ أيار.
هي العاصفة،
فمن تقتلعُه المواقفُ لا يثبت،
ومن يثبتُ
يبقى أرزةً مزروعةً في صدرِ الوطن.
والأرزةُ لا تشرحُ نفسها لأحد،
لا تعتذرُ من الريحِ حين تُختبَرُ جذورها،
ولا تُقايضُ الوقوفَ على شرفاتِ الانحناء.
تظلُّ هناك…
كأنّ الأرضَ نسيت أن تُسقِطَها،
أو كأنّها آخرُ ما تبقّى من يقينٍ لا يفاوض.
وحين تمرُّ العاصفةُ كاملةً،
لا يُسجَّلُ النصرُ في الكتب،
بل في ارتباكِ الخرابِ وهو يكتشفُ أنّ بعضَ ما حاولَ محوهُ مازال قائماً.
في يدٍ لم ترتجف،
في قلبٍ لم يبدّلْ جهته،
وفي ظلٍّ بقي واقفاً
حين قرّرَ العالمُ أن يجلس
عبد الكريم بعلبكي
لبنان