رؤي ومقالات

محمد الحسيني يكتب:بين الدرع الأوروبي ورهانات الرياض على طهران .. هل يُعاد رسم أمن البحر الأحمر عبر بوابة اليمن؟

لم يعد باب المندب مجرد ممر مائي تعبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، بل تحول إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.

فما يجري في البحر الأحمر اليوم يتجاوز مسألة حماية السفن أو تأمين خطوط الملاحة، ليعكس صراعاً أوسع على النفوذ وعلى من يمتلك القدرة على إدارة واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

وتكشف التطورات الأخيرة، بدءاً من الاتفاقية التي أبرمتها جيبوتي مع بعثة “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، مروراً بالتحركات الدبلوماسية المتعلقة بالملف اليمني وعلاقته بإيران، وصولاً إلى استمرار التصعيد في البحر الأحمر، عن مشهد استراتيجي مترابط لا يمكن التعامل مع عناصره باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها أجزاء من عملية متواصلة لإعادة هندسة منظومة الأمن في هذا الممر البحري الحيوي.

ويحمل الاتفاق الأوروبي مع جيبوتي دلالات تتجاوز توفير التسهيلات اللوجستية والعسكرية لبعثة “أسبيدس”. فهو يعكس تحولاً في المقاربة الأوروبية من الاكتفاء بمتابعة الأزمات إلى ترسيخ حضور دائم في البحر الأحمر، بعدما أصبح اضطراب الملاحة يمثل تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي الأوروبي بفعل تأثيره على حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن هذا المنطلق، باتت حماية الممرات البحرية جزءاً من استراتيجية أوروبية أوسع تهدف إلى ضمان استمرار تدفق التجارة وتأمين المصالح الاقتصادية بعيدة المدى.

وفي المقابل، تدرك جيبوتي أن موقعها الجغرافي عند مدخل باب المندب يمنحها فرصة استثنائية لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للعمليات البحرية والدعم اللوجستي.

ولذلك تعمل على توسيع شراكاتها مع القوى الدولية، بالتوازي مع تطوير قدراتها البحرية وتحديث البنية التحتية للموانئ وخدمات الصيانة والإسناد، بما يعزز دورها في إدارة حركة الملاحة الدولية.

كما أن رفضها القاطع لأي محاولات لفرض رسوم عبور أحادية على السفن التجارية يؤكد تمسكها بمبادئ حرية الملاحة وفق القانون الدولي، ويعكس رغبتها في ترسيخ صورتها كشريك موثوق يسهم في الحفاظ على استقرار هذا الممر الاستراتيجي.

وتزداد أهمية هذه التحركات في ظل استمرار التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة واتساع دائرة المواجهات لتشمل ملفات إقليمية أخرى، الأمر الذي جعل البحر الأحمر ساحة مفتوحة لتداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية.

ومع كل تصعيد ميداني ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتتأثر حركة التجارة العالمية بصورة مباشرة، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بتعزيز الوجود البحري في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، يظل الملف اليمني أحد أكثر عناصر المشهد تعقيداً وتأثيراً في معادلة أمن البحر الأحمر.

فاستمرار الصراع داخل اليمن يجعل أي ترتيبات أمنية في الممرات البحرية عرضة للاختبار، وهو ما دفع عدداً من الأطراف الإقليمية إلى محاولة ربط مستقبل التهدئة في البحر الأحمر بالتفاهمات الأوسع مع إيران.

وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على تعويل سعودي على إدراج الملف اليمني ضمن أي اتفاق محتمل مع طهران، انطلاقاً من قناعة بأن معالجة التوتر في البحر الأحمر قد تمر عبر تفاهمات إقليمية تشمل النفوذ الإيراني في المنطقة.

كما كشفت تقارير عن طلب سعودي من اليابان استخدام قنواتها الدبلوماسية مع إيران للمساعدة في هذا المسار، بالتزامن مع حديث عن اتصالات يابانية هدفت إلى بحث سبل التهدئة في البحر الأحمر.

غير أن الموقف الياباني بدا أكثر تحفظاً إزاء هذا الطرح، إذ أوحت التصريحات الصادرة عن السفير الياباني لدى اليمن بأن اختزال الأزمة اليمنية في إطار العلاقة مع إيران لا يعكس طبيعة المشهد المعقد، وأن أي تقدم نحو التهدئة لا يمكن أن يعتمد على تفاهمات إقليمية وحدها.

وتنسجم هذه القراءة مع قناعة متنامية لدى العديد من الفاعلين الدوليين بأن الملف اليمني يمتلك ديناميكياته الداخلية الخاصة، وأن أي تسوية مستدامة ستظل بحاجة إلى تفاهمات يمنية داخلية إلى جانب أي توافقات إقليمية.

ومن هنا، تبدو محاولات ربط اليمن بالكامل بالمفاوضات مع إيران رهانا لا يخلو من التحديات، لأن تأثير العوامل الداخلية في مسار الصراع لا يقل أهمية عن تأثير التوازنات الإقليمية.

ولذلك، فإن أي اتفاق إقليمي قد يسهم في تخفيف حدة التوتر، لكنه لن يكون كافياً بمفرده لإنتاج تسوية سياسية شاملة ما لم يترافق مع معالجة الأسباب المحلية للصراع.

وفي الوقت نفسه، توحي التحركات العسكرية والدبلوماسية المتزامنة بأن القوى الإقليمية والدولية تتجه نحو صياغة توازن جديد في البحر الأحمر يقوم على الجمع بين الردع العسكري والانخراط الدبلوماسي، بهدف حماية الممرات البحرية والحد من مخاطر اتساع رقعة الصراع، مع الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن البحر الأحمر يتجه ليصبح إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي خلال السنوات المقبلة، حيث لم تعد القوة تقاس بعدد القطع البحرية المنتشرة فحسب، بل أيضاً بالقدرة على بناء شبكات من الشراكات والقواعد العسكرية والتفاهمات السياسية التي تضمن نفوذاً طويل الأمد.

وفي قلب هذه المعادلة يبقى اليمن عاملاً حاسماً في أمن البحر الأحمر، إذ لم يعد استقراره شأناً محلياً فقط، بل أصبح عنصراً مؤثراً في أمن التجارة الدولية. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت أهمية الوجود الدولي في المنطقة، وتعقدت في المقابل فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

وفي المحصلة، لا تعكس التطورات الأخيرة مجرد استجابة لتهديدات أمنية طارئة، بل تشير إلى إعادة تشكيل تدريجية لمنظومة الأمن في البحر الأحمر، حيث يتجاوز الصراع مسألة حماية السفن إلى التنافس على رسم قواعد الأمن والنفوذ في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعلى امتلاك القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر دائم للقوة السياسية والاقتصادية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى