
هناك خطأ يقع فيه كثير من المحللين، وهو التعامل مع التصريحات الأمريكية باعتبارها مؤشرا مباشرا على قرار الحرب لكن التجربة مع دونالد ترامب تكشف نمطًا مختلفًا؛ فالرجل يرفع سقف التهديد إلى أقصى درجة، ثم يترك باب التراجع مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة.
….
والوقائع الأخيرة تُظهر هذا النمط بوضوح لا يحتاج إلى تأويل. فبعد ترقب لضربة أمريكية جديدة، أعلن ترامب تعليق الهجوم المخطط، موضحًا أن القرار جاء استجابة لطلب من طهران ودول أخرى في المنطقة، بعد التوصل إلى ما وصفه بـ”الخطوط العريضة” لصفقة محتملة.
هذا التكرار تصعيد، ثم تجميد، ثم انهيار، ثم تصعيد جديد ليس عشوائيًا، بل هو بالضبط النمط الذي يحكم إدارة واشنطن للملف الإيراني منذ أكثر من عام.
….
هذا ليس تناقضا بقدر ما هو أسلوب تفاوض المشهد يتكرر لأنه يعكس حقيقة استراتيجية الولايات المتحدة تريد تعظيم الضغط، لكنها لا تريد حربًا مفتوحة مع إيران.
والسبب أن طهران استطاعت فرض معادلة ردع معقدة، تجعل أي قرار أمريكي بالحرب محفوفًا بالمجهول لم يعد السؤال ماذا ستفعل واشنطن؟ بل ما حجم الرد الإيراني؟ وهل سيبقى داخل حدود إيران أم يمتد إلى الخليج والبحر الأحمر وإمدادات الطاقة العالمية؟
أما البرنامج النووي، فتجربة 2025-2026 نفسها تكشف مفارقته الضربة العسكرية أخّرت البرنامج، لكنها لم تُنهِ الأزمة، بل فتحت جولة جديدة من التصعيد بعد أسابيع قليلة فقط. وهذا يعزز فرضية أن الحسم العسكري بمفرده لا يصنع استقرارًا، بل يشتري وقتًا مؤقتًا قبل الانفجار التالي.
….
وهنا يظهر الدور الحقيقي للوسطاء، الذين لا يمنعون الحرب فقط، بل يوفرون للطرفين مخرجًا يحفظ ماء الوجه لهذا فإن الحديث عن “تراجع ترامب” توصيف ناقص؛ الأدق أن نقول إنه يوظف التصعيد لتحقيق مكاسب تفاوضية، ثم يتراجع حين تتجاوز كلفة التنفيذ العائد المتوقع تمامًا كما حدث هذا الأسبوع حين عُلّق هجوم كان يبدو وشيكًا مقابل مجرد “خطوط عريضة” لاتفاق.
ويبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية فإيران لا تحتاج إلى إغلاقه بالكامل كي تربك العالم، يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفًا بالمخاطر حتى ترتفع أسعار الطاقة وتتحرك القوى الكبرى.
الفرضية الأهم اليوم أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه إيران من موقع القدرة المطلقة، بل من موقع إدارة المخاطر انتقلت من استراتيجية “فرض الإرادة بالقوة” إلى استراتيجية “منع الانفجار الكبير” وهذا لا يعكس تغيرًا في الأهداف، بل تغيرًا في ميزان الكلفة والردع.
المنطقة إذن لم تدخل مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة أكثر تعقيدًا؛أصبحت فيها الحرب نفسها أداة ضغط، وتجنبها هدفًا مشتركًا حتى بين الخصوم. وكأن الشرق الأوسط لم يعد يعيش بين الحرب والسلام، بل داخل منطقة رمادية عنوانها الدائم: التصعيد من أجل التفاوض، لا التفاوض من أجل السلام