رؤي ومقالات

عامر عبد المنعم يكتب:معركة ظالمة ومفتعلة ضد المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا

ظاهرة مقلقة تتصاعد في الولايات المتحدة وأوربا، لا تأخذ حقها من الاهتمام، وهي التحريض ضد المسلمين، واعتبار الإسلام عدوا، وإحياء الأفكار الصليبية القديمة التي تجاوزها العصر، التي كنا نظن أن الحضارة والإنترنت ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة قد أزاحتها جانبا؛ لحساب التسامح والتفاهم والتعايش بين الشعوب وأتباع الأديان السماوية.
يقود الحملة ضد المسلمين الرئيس الأمريكي وفريقه والمتعصبون من حركة ماجا، الذين لم يكتفوا بالتحريض في الولايات المتحدة، وإنما نقلوا حملة التحريض إلى أوروبا بترديد مزاعم عن تهديد المواطنين المسلمين للحضارة الأوروبية، رغم اندماجهم في مجتمعاتهم وحرصهم على التعايش بسلام.
في الولايات المتحدة، ومع تراجع شعبية حزب ترامب والخوف من الخسارة في التجديد النصفي للكونجرس يفتعل الإنجيليون من أصحاب نظرية تفوق العرق الأبيض معارك مبالغ فيها وغير واقعية، ضد ما يعتبرونه غزوا إسلاميا لأمريكا، ومزاعم لا أصل لها عن محاولات من الأمريكيين المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأغلبية المسيحية في الولايات المتحدة!
لم يتوقف الرئيس الأمريكي والنخبة الجمهورية عن الهجوم على المرشح المسلم عبد الرحمن السيد وكأنه ينافس على كرسي الرئيس وليس على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشغان، ولم يتوقف الهجوم على عمدة نيويورك زهران ممداني، ويتعرض المسلمون في أكثر من ولاية إلى حملات كراهية غير مسبوقة، أبرزها في تكساس التي قررت تغيير مناهج التعليم لتشويه صورة الإسلام ورسوله، والذي اعتبره قادة المسلمين إثارة للفتنة داخل المدارس ونشر الشك والكراهية تجاه المسلمين الصغار!
كان لحاكم تكساس مواقف بالغة التطرف بزعم منع المسلمين من تطبيق الشريعة في الولاية، حيث حظر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) والإخوان المسلمون واتهام المنظمتين بالسعي لتطبيق الشريعة في أمريكا، وسار على دربه آخرون رغم أن الموضوع مفتعل وغير حقيقي؛ فالمسلمون بكل ألوانهم في تكساس لا يزيدون عن 2% من التكساسيين، بتقديرات تتراوح بين 300 ألف و500 ألف مسلم، فكيف يطبقون الشريعة في ولاية يبلغ عدد سكانها حوالي 32 مليون نسمة؟
نفس الوضع في عموم أمريكا حيث أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة لا يمثل ثقلا سكانيا، حيث يقارب 5 ملايين أو يتجاوزها قليلا؛ فوفقاً لـ Pew Research Center، ارتفع عدد المسلمين الأمريكيين من نحو 2.4 مليون عام 2007، ثم 3.45 مليون في 2017، ثم إلى حوالي 5.5 مليون نسمة عام 2026، وإذا كان عدد سكان الولايات المتحدة حالياً يتراوح بين 342.9 مليون حسب مكتب الإحصاء الأميركي و 349 مليون حسب مكتب الموازنة في الكونغرس فإن المسلمين يشكلون ما يقارب 1.6% من إجمالي عدد السكان، فكيف لهذا العدد الصغير أن يشكل تهديدا لأمريكا ويفرض الشريعة على الأمريكيين؟!
وهل فوز عدد قليل من المرشحين المسلمين لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة في الكونجرس يشكل تهديدا للولايات المتحدة؟
استنساخ التجربة في أوروبا
أيضا يتعرض المسلمون في أوروبا لذات الحملة، إذ حرض ترامب ونائبه جي دي فانس وآخرون الحكومات الأوروبية على المسلمين، وخوفوهم من إندثار حضارتهم بسبب وجود المسلمين، بل يشارك إيلون ماسك صاحب شركة X)) في شحن الأوربيين ضد المسلمين، ويتهمه الأوربيون المنصفون خاصة في بريطانيا باستخدام منصته للتحريض وهدم التسامح، ودعم الأحزاب اليمينية التي تعلن الحرب على المهاجرين وتحرض على المسلمين.
لقد شاهدنا مؤخرا استجابة قطاعات من الأوروبيين لهذا التحريض، والذي ظهر في صعود الأحزاب اليمينية في أكثر من دولة، وارتفاع عدد حوادث الكراهية ضد المسلمين، بل وانتقل التعصب المقيت المناقض لروح التسامح لدوائر عليا، مثل القرار الذي صدر عن حزب الشعب الأوروبي (EPP )، أكبر كتلة سياسية في الاتحاد الأوروبي، في اجتماعه السياسي الذي عُقد في فيينا نهاية يونيو 2026، يحمل عنوان «تدخل الإسلام السياسي في العمليات الديمقراطية الأوروبية» والذي وضع خطة لمنع المسلمين من المشاركة السياسية وتحويلهم إلى متهمين هم والمنظمات الحقوقية التي تدافع عنهم، وحث القرار الاتحاد الأوربي لتبني خطة المواجهة لما أسمته “الاختراق الإسلامي للأحزاب والأنظمة السياسية” ولمنع تغيير هوية أوروبا. ( نص القرار في أول تعليق)
يُوصف حزب الشعب الأوروبي بأنه أكبر قوة سياسية في الاتحاد الأوروبي، حيث تضم عائلته السياسية أحزابًا من يمين الوسط في معظم الدول الأعضاء، وتسيطر مجموعته البرلمانية على أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي.
ترتبط رئاسة المفوضية الأوروبية ارتباطًا وثيقًا بالحزب؛ فأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية منذ 2019 وفي ولايتها الثانية من ديسمبر 2024، تنتمي سياسيًا إلى هذه العائلة (الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني CDU)، ويأتي عدد كبير من المفوضين من أحزاب الشعب الأوروبي.
بسبب ثقله البرلماني وقربه من المفوضية، فإن قرارات الجمعية السياسية لـ EPP غالبًا ما تُترجم إلى أولويات تشريعية أو توجيهات للمفوضية والدول الأعضاء، خاصة في ملفات الأمن الداخلي والهجرة ومكافحة التطرّف.
لا يمكن فصل الحملة ضد المسلمين في الغرب عن حالة التراجع العام للهيمنة الغربية، وبحث السياسيين الانتهازيين عن معارك داخلية للإلهاء، والرغبة في تجنب الخسائر الانتخابية الناتجة عن الفشل في إدارة الملفات الخارجية والداخلية، لكن وجود دوائر مقابلة من سياسيين أمريكيين وأوروبيين أكثر عقلانية وانفتاحا يحول دون تمرير مثل هذه الخطط المعادية للقيم الإنسانية، التي لا تتناسب وروح العصر الرقمي ومواقع التواصل، التي ألغت الفواصل والفوارق بين الشعوب وتمنع التخندق على أسس دينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى