
لم يُخفِ ترامب ومرؤوسوه إيمانهم بهيمنتهم واستعدادهم لاستخدام القوة الأمريكية الجامحة سعياً وراء مكاسب اقتصادية وجيوسياسية وداخلية.
سياساته امتدادٌ لعلامة تجارية شخصية بُنيت على المواجهة وتصعيد النزاعات.
لكن الوضع الدولي الفوضوي المتزايد والاضطرابات الداخلية المتنامية تشير إلى أن منهجية ترامب في التصعيد والإكراه لها حدود، وأنها قد تقوده إلى زوايا سياسية ضارة.
قد تُفسّر غرائزه قراره بشنّ هجوم على طموحات إيران العسكرية والنووية والإقليمية التي تجنّبها الرؤساء السابقون. لكن رفض طهران الاستسلام لمطالب ترامب بدأ يكشف حدود قوة أمريكا، وحدود قوته هو أيضاً.
هذا الأمر وضعه أمام خيارات صعبة. بإمكانه تصعيد الصراع لإجبار إيران على الامتثال لمطالبه، لكن ذلك قد يزيد الخسائر الأمريكية ويُسبب تداعيات اقتصادية وخيمة.
أو بإمكانه إعلان النصر والانسحاب لكن إحكام إيران سيطرتها على مضيق هرمز، والاحتفاظ بمخزونات اليورانيوم المخصب من شأنه أن ينفي أي ادعاء من هذا القبيل.
وللخروج من هذا المأزق، اختار ترامب مساراً يتضمن الجمع بين القوة العسكرية الأمريكية ورفضه الشخصي للتنازل عن أي شرط لإيران.
لذلك قرر فرض الحصار البحري على مضيق هرمز، كمحاولة لخنق اقتصاد إيران على الرغم من التداعيات الخطيرة المحتملة على أسواق الطاقة العالمية.
لقد عجز عن دفع حلفاءه في الناتو للإنضمام إلى حرب عارضوها ولم يُبلغوا بها مسبقًا. حتى تهديداته بالانسحاب من التحالف لم تُقنع الدول بالتخلي عما تعتبره مصالحها الوطنية. وقد كلّف عدم موافقتهم الولايات المتحدة خياراتٍ كانت تعتمد عليها كثيرًا في حروبها السابقة.
قد ينجح نهج ترامب الفظ، كما حدث عندما أبرم بعض الصفقات باستخدام الحرب التجارية ضد شركاء الولايات المتحدة التجاريين. لكن الصين، وهي قوة اقتصادية عظمى، ردت بتهديدها بقطع تصدير المعادن الأرضية النادرة.
استغلت بكين احتمالية نشوب حرب تجارية لإحداث انهيار في الأسواق العالمية وإجبار ترامب على التراجع.
يبدو أن إيران قد تعلمت من ذلك أن الولايات المتحدة معرضة للصدمات في الاقتصاد العالمي، وقد بذلت قصارى جهدها لإبقائها رهينة بإغلاقها للمضيق.
الشعور بأن بعض صلاحيات ترامب تتضاءل يتجاوز مأزق إيران. فقد أدرك حدود جاذبيته السياسية بعد أن وظّف حركته السياسية لدعم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، لكن هذه الجهود باءت بالفشل.
يوم الأحد أسقط الناخبون المجريون هذا الرجل القوي، ودمروا مشروع ترامب لتحويل أوروبا إلى حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”.
كما هو الحال مع نظيره المجري، فإن بعض سياسات ترامب الداخلية تُثير ردود فعل سلبية. فقد أجبره الرأي العام على التراجع عن برنامجه للترحيل الجماعي بعد مقتل أمريكيين اثنين على يد عملاء فيدراليين في مينسوتا، إضافة إلى فشل معظم محاولات ترامب لاستخدام القانون لمعاقبة خصومه السياسيين.
يُظهر ذلك أن بعض الضوابط الدستورية على الأقل لا تزال تُقيده.
حتى البابا ليو الرابع عشر – وهو أمريكي أغضب الرئيس بمعارضته للحرب على إيران، قال يوم الاثنين “لا أخشى إدارة ترامب.
لم يُخفِ ترامب اعتقاده بأنه يتمتع بسلطة مطلقة. “لديّ الحق في فعل ما أريد. أنا رئيس الولايات المتحدة”.
ويتجلى هذا الاعتقاد في رفضه طلب رأي الكونجرس أو إعداد البلاد للقتال قبل شن حرب استمرت حتى الآن ستة أسابيع.
عندما سئل مسؤولو البيت الأبيض عن الخطوات التالية في إيران، تكون إجابتهم غالبا بصيغة “الرئيس وحده.. يعرف ما سيفعله”. صيغة تسلط الضوء على اتجاه رفض مبادئ تقاسم السلطة في النظام الجمهوري.
عقيدة القوة والتصعيد التي تقوم عليها ولاية ترامب الثانية، تم التعبير عنها بشكل أفضل من قبل نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر.
قال في حديثه للسي ان ان في يناير وسط حالة من النشوة في البيت الأبيض إزاء القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو: “نحن نعيش في عالم تحكمه القوة، والإكراه، والسلطة”.
بدت استراتيجيات ترامب للهيمنة أكثر نجاحًا في بداية مسيرته الرئاسية. فقد حوّل الحزب الجمهوري إلى أداة لإرادته، التي لا تزال غير راغبة في كبح جماح نزعاته الجامحة رغم تراجع شعبيته بشكل كبير.
كانت إزاحة مادورو من منزله في يناير نجاحًا كبيرًا لترامب.
استخدم أيضًا نفوذه السياسي لمساعدة القادة ذوي التوجهات المماثلة على الفوز في الانتخابات كما في الأرجنتين وهندوراس.
لكن ربما بدأ حظ ترامب ينفد في إيران. بدأت الحرب بعرضٍ للدمار مألوفٍ من صراعاتٍ أمريكيةٍ أخرى في القرن الحادي والعشرين، لكنها سرعان ما أبرزت الدرس التاريخي القائل بأنّ التفوق الجوي الهائل لا يكفي وحده لتحقيق انتصاراتٍ حاسمةٍ أو تغييرٍ جذريٍّ للنظام.
يمكن النظر إلى حصار ترامب للمضائق باعتباره محاولةً لاستعادة هيمنته وهيمنة أمريكا على إيران، بهدف تحسين فرص التوصل إلى حلٍّ تفاوضي.
خنق عائدات النفط الإيرانية ووارداتها قد يدفع اقتصادها إلى الانهيار. وقد لا يكون أمامها حينها خيارٌ سوى طلب السلام بشروط ترامب.
لكن أحد دروس الحرب هو أنّ قادة إيران يعتقدون أنّهم يخوضون معركةً وجودية، وأنّهم مستعدون لإلحاق معاناةٍ لا حدود لها بشعبهم. ربما يراهنون على أنّ ترامب يفتقر إلى التسامح السياسي تجاه مستوياتٍ أعلى من ارتفاع أسعار النفط والغاز وصعود التضخم في عام انتخابات التجديد النصفي.
قد يستغرق الحصار شهورًا لإخضاع إيران. الوقت رفاهية يفتقر إليها مرشحو الحزب الجمهوري للكونجرس.
يتكرر هذا العجز عن التحكم في النتائج في أوروبا. رحيل أوربان بعد 16 عاما في حكم المجر، حرم حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” من رجل قاد حملات قمعية ضد الهجرة والصحافة، وحرم الإدارة من حليفٍ داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يحتقره ترامب. ويُعدّ هذا ضربةً قويةً لنائب الرئيس جيه دي فانس الذي سافر إلى المجر ليدعو الناخبين التمسك بأوربان.
رفض الناخبين للشعبوية والقومية في هزيمة انتخابية كبيرة لا يمكن إنكارها قد يقلق البيت الأبيض.
لكن ثمة دروسٌ للديمقراطيين الأمريكيين أيضاً. فنتيجة يوم الأحد لم تكن انتصاراً للقيم التقدمية اليسارية. المرشح الفائز، بيتر ماجيار، هو نفسه زعيم يمين الوسط، وكان في السابق من الموالين لأوربان. وما لم يتمكن من التغلب على لعنة القادة الديمقراطيين الأوروبيين وإصلاح الاقتصادات المتعثرة والخدمات الصحية، فقد تبقى الشعبوية قوةً مؤثرة.
بمعنى أوسع، يشير أفول نجم أوربان إلى أن عبادة القيادة القوية – على الأقل في مجتمع شبه ديمقراطي – لا يمكنها التغلب إلى أجل غير مسمى على التيارات السياسية القوية ولعنات السلطة.
لم يكن اعتقاد ترامب بأنه يتمتع بسلطة مطلقة راسخاً في الدستور أو التقاليد السياسية الأمريكية. وقد يؤدي التدهور الحتمي المصاحب لولاية رئاسية ثانية إلى إضعافه أكثر، في الوقت الذي تتحدى فيه إيران هيبته كرجل قوي من الخارج.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال صعب آخر: ما الذي قد يفعله ليثبت أن سلطته لا تتلاشى؟