
قبل أن تدخلي هذا النص
تحقّقي جيدًا أنكِ لا تتعاملين مع شاعر
وقبل أن تصدّقي ذلك أيضًا
تذكّري أنني أفشل في الحب بطريقةٍ لا تُعلَّم،
كأنني أتقن الخسارة وحدها،
أتركه يسقط من يدي كل مرة
دون أن أتعلم شكل الإمساك،
ومع ذلك أكتب عنه كأنه آخر من بقي معي،
يسهر إلى جواري حين ينام الجميع،
يضع رأسه على كتفي ويتركني أتكلم وحدي
كأحمقٍ يصدّق وجوده.
أنا لا أعرف كيف تُربّى الكلمات على الطاعة،
ولا كيف تُصفّ كجنودٍ في سطرٍ مستقيم،
أنا أتركها تمشي عرجاء
وتسقط حيث تشاء،
ثم أجلس قربها كأنني المسؤول الوحيد عن كسورها.
لستُ شاعرًا،
أنا مجرد شخصٍ تضيق به الغرفة
فيكسر الجدار بالكتابة،
ثم يكتشف أن الخارج أضيق.
أكتب لأنني لا أحتمل صوتي في رأسي،
لأنه يصرخ بلا فم،
ويشير إلى أشياء لا تُرى،
ويطالبني أن أكون شاهدًا على خرابٍ لا يعنيني
لكنه يحدث في داخلي.
أكتب لأنني خائف،
نعم،
خائف من أن أصير عاديًا
إلى درجة أن لا ينتبه أحدٌ لسقوطي،
خائف من أن أختفي
دون أن أترك حتى جملةً واحدة تدلّ عليّ
كأثر قدمٍ في طينٍ يابس.
كل ليلةٍ،
أحفر في جسدي كمن يبحث عن أثرٍ قديم في جدارٍ رطب،
أفتّش عن موتٍ يليق بي
فلا أجد إلا نفسي،
تتكرر في كل حفرةٍ كخطأٍ لا يتعلّم.
أحفر ببطء،
كأنني أريد أن أطمئن أنني موجودٌ فعلًا،
لكنني في كل مرةٍ
أصطدم بذلك الفراغ الذي يشبهني أكثر مما أشبهه.
حتى القصائد التي كنتُ أظنها شعرًا
يسيل من شفاه الحبيبة،
اكتشفتُ أنها لم تكن صادقة،
كانت تتزيّن بي فقط،
تتقمّص حزني كي تبدو حيّة،
ثم تتركني وحدي أمام جثة المعنى.
وأنتِ كنتِ تقفين في الهامش،
تقرئينني كما يُقرأ اعترافٌ لا يريد أن يُغفر له،
ولا مرةٍ قلتِ إن هذا جميل،
ولا مرةٍ قلتِ إنه كذب،
فقط كنتِ تفهمين أنني لا أكتب،
بل أتحسّس دمي لأتأكد أنه ما زال يسيل.
أنا لا أزيّن لغتي،
الزينة تليق بالأشياء الميتة،
أما ما أكتبه فما زال ينزف، وكل محاولةٍ لتلميعه هي خيانةٌ للجرح.
لا تبحثي هنا عن قصيدة،
ستجدين بقايا يومٍ سيئ،
رائحة قلق،
جملةً مكسورة،
وقلبًا يحاول أن يتأكد أنه ما زال يعمل رغم كل هذا العطب.
أنا لست شاعرًا،
أنا مجرد ناجٍ مؤقت، أكتب كي أؤجل الغرق
لدقائق إضافية،
وأصدق بسذاجةٍ كاملة
أن هذه الدقائق قد تُنقذ شيئًا
لم يعد موجودًا أصلًا.