كتاب وشعراء

الأنثى خلفَ الشاشة.. بقلم الأديب: أحمد البازغ

​جلستُ إلى مكتبي العتيق،

وكانتِ المحبرةُ بجواري،

والليلُ يمرُّ بطيئاً

كأنّهُ شيخٌ يفتّشُ في دفاترَ الماضي.

أمامَ عينيَّ ورقةٌ قديمة،

وفي وسطِها امرأة…

لم تكنْ تمشي في شارع،

ولا تجلسُ في مقهى،

كانتْ خلفَ شاشةٍ صغيرة،

تفتحُ نافذةً على العالم

فتجدُ العالمَ كلَّهُ

قد فتحَ عينيهِ عليها.

​صورةٌ واحدة…

فإذا بالعيونِ والذئابِ تتقاطر؛

هذا يرمي مديحًا طارئاً

وفي قاعِ عينيهِ نيةٌ أخرى،

وذاكَ ينسجُ حرفاً زائفاً

تختبئُ خلفهُ ظنونٌ خفيّة،

وثالثٌ يتربّصُ في العتمة بصمتٍ ثقيل،

ورابعٌ يفسّرُ كلَّ إشراقةِ حضورٍ

على أنها تصريحٌ بالدخول.

​وكانتْ تقرأ…

ثم تبتسمُ أحياناً،

وتتجاوزُ أحياناً،

وتغلقُ هاتفَها أحياناً

لأنها تعبتْ من شرحِ شيءٍ بسيط:

أنَّ المرأةَ حين تظهرُ

لا تصبحُ ملكاً لأعينِ العابرين.

هي ليستْ صورةً للفرجة،

ولا قلبًا مفتوحًا لكلِّ طارق،

ولا ابتسامةً معلّقةً

على جدارٍ يحقُّ للجميعِ أن يلمسوه.

​وربما كانتْ تلك التي

تراها كلَّ يومٍ تكتبُ بخفة،

وتضعُ قلبًا صغيرًا،

وتضحكُ في تعليق…

تعودُ بعدَ إغلاقِ الشاشة

إلى غرفتها،

فتخلعُ عن وجهها ابتسامتها

كما تخلعُ المرأةُ ثوباً أثقلَها طوالَ النهار.

​هناك…

لا أحدَ يرى تعبَها.

ولا أحدَ يعرفُ كم مرةٍ

حذفتْ ردَّاً قاسياً

كي لا تجرحَ أحداً،

وكم مرةٍ تجاهلتْ رجلاً

لأنها فهمتْ من أولِ حرفٍ

إلى أين يريدُ أن يصل؟

​ثم رفعتُ القلم،

وكتبتُ في أسفلِ الورقة:

ليستِ الأنثى على فيسبوك

امرأةً متاحةً للعابرين…

إنَّما هي إنسانةٌ

اختارت أن تُطلَّ من نافذةٍ صغيرة،

فلا تجعلوا من تلك النافذة

باباً تقتحمونَ منه حياتها

​نفذ الحبر

بقلم الأديب: أحمد البازغ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى