
تدمعُ شوقاََ….
حين يُقفرُ المنزل إلا من الجدران
المنزل الذي يعشق الشمس
تستهويهِ مُراقبةُ الجبال المعانقة
الأخضرُ والأزرق ُ سيِّدا اللوحة الفنية التي أبدعتها الطبيعة
حين يهبطُ القمر ليشاركَ في مداعبة الأطفال من النوافذ المشرفة على الحب
الحبُّ الذي انتزعتهُ الحرب
فرَّقت الأرواح الجذلى
أبعدتِ الأمهات والآباءِ عن أثمارهم اليانعة
جَفَّ اللوز
انهمرَ الضباب
واستعرَ النَّدى
الشمسُ تبحثُ عن الأحبَّةِ
تدخلُ من النوافذ
عبثاََ عبثاََ تبحث
بسماتُ الأحبةِ طارتْ بعيدا
المنزل في خواء مستعر
القلبُ يُظلِمُ
الجدرانُ تراقبُ بعضها بعضاً بأسى
في انتظارِ عودة القلوبِ التي تدمعُ شوقاََ…!
تيسير حيدر – لبنان
قراءة في النص:
أعتقد أنَّ الجدرانُ التي تدمعُ وتتعلّمُ في الوقتِ نفسِهِ
في هذا النصّ ليست جماداً، بل كائنٌ روحيٌّ يمرّ بعملية تعلّمٍ عبر الألم.
فالدمعُ ليس علامةَ انكسار، بل أوّلُ دروسِ الضوء؛
إنّهُ الماءُ الذي يبدأ منه التحوّل، كما يبدأ النباتُ من قطرةٍ واحدةٍ في صخرٍ قاسٍ.
وهذه الفكرة تُذكّر بما قاله جبران:
“الأشجارُ هي أبناءُ الأرضِ، والجدرانُ هي أبناءُ الإنسانِ، وكلاهما يكتبُ تاريخَ الروحِ على جسدِ الزمانِ.”
فالجدرانُ هنا تكتبُ تاريخَ الروحِ فعلاً،
تكتبُهُ بالدمع، بالانتظار، وبمحاولة فهم ما حدث لها ولأهلها.
الجدرانُ كمرآةٍ للاوعي الجمعيّ
حين نقرأ النصّ عبر عدسة يونغ، نرى أنّ المنزلَ الفارغَ ليس مكاناً، بل لاوعيٌ جماعيٌّ فقد محتواه.
الحربُ هنا ليست حدثاً سياسياً، بل قوّةٌ مظلمةٌ تشبه ما يسمّيه يونغ:
الظلّ الجمعيّ
قوّةٌ تبتلعُ الضوء،
وتحوّلُ البيتَ إلى فراغٍ يبحثُ عن ذاته،
وتعيدُ إنتاجَ نفسِها في كلِّ جيلٍ،
لأنّ الظلّ لا يموتُ، بل يتوارى ثم يعودُ بأقنعةٍ جديدة.
المنزلُ الفارغُ إذن هو اللاوعيُ الذي فقدَ رموزه:
الأطفال، الأمّ، الأب، ضحكةُ الصباح، رائحةُ الخبز،
كلّها كانت محتوى نفسياً، وحين اختفت،
بقيت الجدرانُ تبحثُ عن معنى وجودها.
الجدرانُ ككائنٍ يتعلّم عبر الألم
نعم
دمعُ الجدران ليس بكاءً، بل عمليةُ تعلّمٍ روحيّ:
فالدمعُ يفتحُ مسامَ الجدار،
يجعلُهُ أكثر قدرةً على استقبال الضوء،
ويحوّلُهُ من شاهدٍ على الخراب
إلى كائنٍ يشارك في إعادة بناء المعنى.
الجدارُ الذي يدمعُ هو جدارٌ يتعلّم،
والجدارُ الذي يتعلّمُ هو جدارٌ يتهيّأ للضوء،
والضوءُ هو أوّلُ علامات العودة.
الحربُ كقوّةٍ تعيد تشكيل اللاوعي
الحربُ في النصّ ليست حدثاً خارجيَّاً، بل هي زلزال داخلي يعيد تشكيل البنية النفسية للمكان.
إنّها الظلّ الذي يبتلعُ كلّ شيء،
لكنّهُ لا يستطيعُ ابتلاع الحنين،
لأنّ الحنين هو الجزء الذي لا يموتُ في اللاوعي.
ولهذا يبقى المنزلُ يبحثُ،
تبقى الجدرانُ تراقبُ،
تبقى الشمسُ تدخلُ،
ويبقى القمرُ يهبطُ،
ويبقى الضوءُ يحاولُ أن يجدَ طريقًا.
خلاصة
• الجدرانُ ليست جماداً، بل ذاكرةٌ حيّة
• الدمعُ ليس حزناً، بل درسٌ أوّلُ للضوء
• المنزلُ الفارغُ هو لاوعيٌ يبحثُ عن رموزه
• الحربُ ظلٌّ جمعيٌّ يعيد إنتاج نفسه
• والضوءُ يعودُ دائماً عبر أصغر الشقوق
بهذا يصبح نصّ شاعرنا تيسير ليس رثاءً للمكان فقط، بل رحلة روحيَّة في كيفية تعلّم الجدران أن تقاوم وتُنبت ضوءاً بعد أن يشتدّ الليل، فليلها سينجب صبحاً.
بقلم الأديب الناقد: نذير الحسن