رؤي ومقالات

منصور البحيرى يكتب: النقد أم التحطيم؟ دروس من أزمة بودكاست

علي الرغم من أننى لا اتناول الشأن الفنى فيما اكتب لأن له كتابه ولكن …أثارت حلقة حديثة من أحد البودكاستات الفنية التى رأيتها مصادفة جدلاً واسعاً، بعد تناولها مسيرة الفنان محمود عبدالمغني. ما بدأ كرأي نقدي حول “نجومية الشباك”، انتهى باعتذارات وحذف مقاطع ورد فعل غاضب من الجمهور. والواقعة تفتح باب سؤال مهم: متى يتحول النقد الفني المشروع إلى محاولة “تحطيم” فنان؟
وبحثت عن تاريخ الفنان محمود عبدالمغني فوجدته حاضرا منذ أواخر التسعينات. وكانت بدايته اللافتة في “عبود على الحدود”، ثم توالت أعمال سينمائية ودرامية تركت أثراً مثل “ملاكي اسكندرية” و”الجزيرة” و”طرف ثالث”. لكن في البودكاست انحصر النقاش في تجربة البطولة المطلقة ونتائجها التجارية فقط، وكأن ربع قرن من العمل يمكن اختزاله في عنوان واحد. هذا الاختزال ظالم، لأنه يتجاهل تراكم الخبرة وتنوع الأدوار التي صنعت اسم الفنان لدى الجمهور. النقد يقيس العمل بمعايير فنية: السيناريو، الأداء، الإخراج. أما السخرية فتستهدف الشخص نفسه ومكانته. وعندما يتحول الحوار إلى تساؤلات من نوع “من هذا الفنان؟” أو “هل دخل أحد أفلامه؟” فإننا ننتقل من تقييم الإنتاج إلى التقليل من قيمة صاحبه. وهنا يفقد النقد مصداقيته، ويتحول إلى مادة للترفيه على حساب تاريخه المهنة والأخطر هو ربط قيمة الفنان برقم الإيرادات فقط. جملة “الجمهور لا يقطع تذكرة من أجله” ليست نقداً فنياً، بل حكم اقتصادي مباشر على مستقبل الفنان المهني. في صناعة تعتمد على الاستثمار، مثل هذه الأحكام يمكن أن تغلق أبواباً وتؤثر على فرص عمل، حتى لو كانت مبنية على انطباع لحظي لا على دراسة.
وبعد الجلبة التى حدثت بهذا البودكاست أوضح الناقد طارق الشناوى لاحقاً أنه لم يقصد الإساءة، وأنه من أوائل من أشادوا بموهبة عبدالمغني. كما بادر مقدم البرنامج محمد طاهر بحذف المقطع وتقديم اعتذار، مؤكداً احترامه للفنان.
وهذا التراجع نفسه دليل على أن هناك خطاً فاصلاً تم تجاوزه.
الخط الفاصل بسيط: النقد يناقش “العمل”، والتحطيم يستهدف “الشخص”. النقد يقول: “هذا الدور لم ينجح للأسباب التالية”. أما التحطيم فيقول: “هذا الفنان لا يصلح” والجمهور في النهاية هو الحكم. ورد الفعل الذي دافع عن محمود عبدالمغني وأشاد بتاريخه، يؤكد أن الناس تفرق جيداً بين حرية الرأي وبين التجريح.
نحن في حاجة إلى نقد جاد يبني ويطور، لا إلى عناوين صاخبة تبحث عن “تريند”. فالفن صناعة تراكمية، وهدمها أسهل بكثير من بنائها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى