كتاب وشعراء

في الصباح…..بقلم أماني الوزير

في الصباح، حين يؤذّن الضوء من شقّ الستارة، أستيقظ قبل قلبي بقليل.
أمدّ يدي إلى الجهة الأخرى من السرير، لا لأتأكد أنك رحلت؛ فأنا أعرف أنك رحلت جيدًا، أعرف ذلك بالطريقة نفسها التي تعرف بها المدن أنها ستُقصف، ومع ذلك تترك نوافذها مفتوحة للهواء.
أجمع الليل من حولي، أطويه بعناية، وأضعه في الدرج السفلي للخزانة، بجوار الأشياء التي لا أعرف كيف أتخلّص منها: رسائلك، ضحكتي القديمة، والمرأة التي كنتُها قبل أن أعرف اسمك.
أدخل المطبخ.
أغسل يدي من الأمس.
أفتح صنبور الماء، فتخرج منه رعشةٌ صغيرة، ثم يصمت.
أضحك… حتى الماء في هذا البيت تعلّم منك فنّ الغياب.
أملأ الفنجان بالقهوة، وأترك مقعدًا فارغًا للحزن.
ليس لأجلسه إلى جواري؛ تعلّمت أخيرًا ألا أمنح كلّ عابرٍ في قلبي كرسيًا.
أشرب رشفة أولى
أتخيل أثر أصابعك على جلدي ، فأتنهد وأداعب قهوتي بمزحة
لطيفة “لا تكوني ثرثارة اليوم”.
تقول أمي إن القهوة السوداء تقوّي القلب.
أمي لا تعرف أن قلبي صار قويًا إلى درجةٍ مرعبة؛ يستطيع أن يحمل موتي الصغير كل يوم، ثم يذهب إلى السوق ليشتري الخبز.
أقف للصلاة.
أرفع يدي، أكبر، وأكتشف، في منتصف التكبيرة، أنني ما زلت أريدك.
يا الله…
أيُّ صلاةٍ هذه التي يدخل إليها رجلٌ لا ينبغي له أن يكون فيها؟
أحاول أن أُخرجك من الدعاء، فتتسلل إلى السجود.
أقول: سبحان ربي الأعلى… ويقول قلبي: وأنت.
أستغفر… أستغفر كثيرًا.
ليس لأنني أحببتك، بل لأنني أحببتك كما لو أن الحبّ بابٌ خلفيٌّ إلى الله، ثم أضعتُ الطريق وعدتُ إليك من أول منعطف للحنين.
بعد الصلاة، أفتح النافذة.
المدينة في الخارج تمارس خرابها المعتاد.
الناس يذهبون إلى أعمالهم، السيارات تبتلع الشوارع، امرأة تهرول خلف حافلة، طفل يبكي لأن أمه شدّت يده بقسوة” تبً لقسوةِ الأمهات”، وبائعٌ ينادي على شيءٍ لا أحتاجه.
كل شيء طبيعي، وهذه هي الكارثة.
كيف يستطيع العالم أن يستمرّ بهذه الوقاحة بعد أن ينتهي حبٌّ كبير؟
أرتّب البيت.
أطوي الغسيل، أضع القمصان فوق بعضها، وأفكر أن البشر أيضًا يُطوون بهذه السهولة؛
قليلٌ من الصمت، بعض الكبرياء، ثم نضعهم في أدراج الذاكرة ونقول: انتهى الأمر.
لكنّك لا تنتهي، أخرج من الدرج.
أجدك على السرير.
أدخل الحمام، أجدك في المرآة.
أغلق عينيّ، تظهر أوضح.
فأقرر أن أتصرف بطريقة أكثر عقلانية.
أقتل صورتك.
أولًا بالسكين، ثم بالنسيان، ثم بالأغاني.
ثم بالرجال الذين حاولوا أن يشبهوا صوتك وفشلوا.
أدفنك تحت لساني، وأمتنع عن الكلام أيامًا.
لكنّك، أيها اللعين الجميل، تنمو هناك.
كشجرة.
كحكمة لم أفهم تفسيرها.
كبلادٍ محتلة.
أعود إلى نفسي عند الظهيرة.
أعدّ الطعام لشخصٍ واحد، ثم أضع طبقين.
ألعن يدي، وأرفع الطبق الثاني.
ثم أضعه. ثم أرفعه.
حتى يبدو المطبخ كأن امرأةً مجنونة تفاوض شبحًا على حقّه في الغداء كما تساومنا الحياة على حقنا في التنفس
والعيش ونيل قسطًا من البكاء قبل الراحة بشهقتين.
في المساء، أقرر أن أكون امرأة جديدة.
أرتدي ثوبًا لا يعرفك.
أضع عطرًا لم تشمّه.
أمشّط شعري في الاتجاه المعاكس لكلّ الذكريات.
وأخرج.
أمشي طويلًا.
أمرّ أمام الأماكن التي لم نذهب إليها معًا، فقط لأثبت لنفسي أنني أستطيع النجاة حتى من الاحتمالات.
ثم يحدث شيء غريب.
أرى رجلًا يشبهك من الخلف، لا أركض.
هذه المرة لا أركض، أقف في مكاني، وأتركه يبتعد.
خطوة، خطوتين، مدينة كاملة.
وأشعر فجأة أن الله لم يأخذك مني.
الله فقط أعادك إلى حجمك الحقيقي.
رجل… رجل أحببته.
ليس قدرًا.
ليس وطنًا.
ليس نهاية العالم.
رجلًا مرّ من هنا، وترك الباب مفتوحًا في قلبي، فأغلقه.
ليس بقسوةٍ مبالغة…
لكن بهدوء امرأةٍ عرفت أخيرًا أن القلب ليس بيتًا للإيجار.
وقبل أن أنام، أضع يدي على صدري.
أسمع تلك الحمامة القديمة ترفرف في الظلام.
أقول لها: غدًا، حين توقظينني… لا تبحثي عنه.
لدينا حياةٌ كاملة يجب أن ننجو منها.
فتصمت قليلًا.
ثم تسألني، من مكانها الدافئ: وماذا لو عاد؟
أبتسم… وأطفئ الضوء.
وأقول: إن عاد…
فليدخل من الباب.
هذه المرة، لن أحوّل خراب العالم
إلى معجزة لكي يجد طريقه إليّ
أيها الأسمر الشهي كالقمح، والنيل، والليل، والأرق،
دعني أخرج منكَ بصباح هادئ هذه المرة
لعل الأحلام تنجو من حادثة الغياب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى