تقارير وتحقيقات

من صفحات “الدفتر الأسود” لخطايا ترمب في درج الديمقراطيين

كتب:هاني الكنيسي
تحت عنوان “هذه هي التحقيقات التي يخطط الديمقراطيون لفتحها ضد ترمب إذا فازوا في نوفمبر”، تكشف صحيفة ‘واشنطن بوست’ تفاصيل أجندة “حساب عسير” ينتظر الرئيس الأمريكي، إذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي بنوفمبر، تمتد من التحقيق في ثروة عائلة ترمب وصفقاتها إلى سياسات الهجرة، وإعادة تشكيل الدولة، والعفو الرئاسي، والملاحقات القضائية، وصولًا إلى فضائح ‘جيفري إبستين’.
استند التقرير المطول لمقابلات أجراها مراسلا الصحيفة الأمريكية ‘أليكسي كوسيف’ و’ميريل كورنفيلد’ مع اثني عشر عضوًا وموظفًا ديمقراطيًا مرشحين لتولي رئاسة لجان رئيسية في حال فوز الحزب، أجمعوا على أن ما يجري ليس مجرد أحاديث انتخابية، بل إعداد مبكر لملفات وأبحاث واتصالات مع جماعات خارج الكونغرس حول كيفية إدارة تحقيقات يمكن أن تستخدم فيها اللجان سلطاتها في طلب الوثائق واستدعاء الشهود.
‘روبرت جارسيا’ النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا والمرشح الأبرز لرئاسة “لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي”، يلخص حجم الطموح قائلاً “هناك قدر هائل من الفساد والاستغلال، لدرجة أن مجلس النواب بأكمله، من الجانب الديمقراطي، سيحتاج إلى إجراء التحقيقات”.
وإذا كان ثمة ما يشبه “الدفتر الأسود”لهذه التحقيقات، فإن الصفحة الأولى عنوانها: كيف أصبحت عائلة ترمب أكثر ثراءً في رحاب البيت الأبيض؟
لجنة الرقابة الديمقراطية أطلقت بالفعل أداة تتبع إلكترونية لأرباح عائلة ترمب من العملات المشفرة والصفقات الأجنبية، وقدرت أن ترمب حصل على نحو 2.25 مليار دولار من المدفوعات الأجنبية خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، وقد ترتفع القيمة إلى نحو 9.72 مليار دولار عند احتساب بعض الثروة الورقية المرتبطة بالأصول الرقمية. ما يجعل من هذه الأرقام مادة دسمة لتحقيقات رسمية محتملة إذا امتلك الحزب سلطة الاستدعاء.
وتتسع الدائرة إلى استثمارات شركتي 1789 Capital وAmerican Ventures المرتبطتين بدونالد ترمب الابن وشقيقه إريك. إذ يسعى النائب ‘جيمي راسكن’، المرشح لتولي رئاسة “لجنة القضاء”، إلى التحقق مما إذا كانت شركات استثمر فيها نجلا الرئيس قد استفادت لاحقًا من عقود حكومية أو سياسات مواتية من الإدارة.
كما تشمل قائمة الأهداف تسوية ترامب مع مصلحة الضرائب (IRS)، ومنصة Truth Social، والأعمال التجارية لصهره ‘جاريد كوشنر ‘.
ثم يأتي ملف العفو الرئاسي، حيث يريد الديمقراطيون مراجعة قرارات منح العفو لأشخاص أدينوا بجرائم احتيال، خصوصًا عندما يكون المستفيدون من المتبرعين لحملات ترمب أو من الدائرة السياسية المحيطة به، وفي حالات أُعفي فيها بعضهم كذلك من الالتزامات المتعلقة برد الأموال إلى الضحايا.
ومن أبرز الحالات التي يعتزمون فحصها ملف رجل الأعمال اليهودي ‘جوزيف شوارترز ‘، الذي أنفق قرابة مليون دولار على جماعات الضغط في واشنطن، قبل أن يمنحه ترمب عفواً رئاسياً إثر إدانته بالاحتيال على الحكومة بمبلغ 38 مليون دولار.
وفي قطاع الطاقة والتعدين، يريد الديمقراطيون التحقيق في صفقة بقيمة 1.2 مليار دولار مع شركة طاقة ألمانية تخلت عن عقود إيجار لمزارع رياح بحرية، على أن يعاد استثمار معظم المبلغ في مشروع للغاز الطبيعي المسال في لويزيانا يملكه أحد المتبرعين لترمب. وهي التسوية التي وصفها النائب ‘جاريد هوفمان ‘ بأنها “صندوق إنفاق سري” slush fund، معتبرًا أنها مثال صارخ على إساءة استخدام الثقة وهدر أموال دافعي الضرائب.
ولا يقتصر “الدفتر الأسود” على قضايا الفساد المالي “الصريح”. إذ ستخضع مشاريع ترمب داخل البيت الأبيض والعاصمة للتدقيق، بدايةً من تكاليف إصلاح “بركة الانعكاس” Reflecting Pool، مروراً بسيطرته بالإكراه على “مركز كينيدي”، وصولًا إلى قاعة الرقص الجديدة في البيت الأبيض التي تناهز تكلفتها 600 مليون دولار.
وكذلك ستحظى سياسات الهجرة الترمبية بنصيب محترم من التحقيقات المحتملة، التي ستطال -بحسب تقرير ‘واشنطن بوست’- مزاعم سوء سلوك موظفي إنفاذ قوانين الهجرة، واحتجاز مواطنين ومقيمين بصورة قانونية، وارتفاع الوفيات داخل مراكز الاحتجاز، واستخدام الحرس الوطني في مدن ليبرالية، إضافة إلى إدارة العقود والإنفاق داخل وزارة الأمن الداخلي.
وفي الوقت نفسه، يخطط الديمقراطيون لمراجعة ما يعتبرونه أبرز التحولات الجذرية في الدولة الأمريكية خلال ولاية ترمب الثانية: إعادة تشكيل الحكومة الفيدرالية، بما يشمل تسريح الموظفين بأعداد كبيرة، ودور خدمة DOGE، وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، وإعادة هيكلة وزارة التعليم، وتقليص جدول لقاحات الأطفال، فضلًا عن احتجاز أموال لم يخصصها الكونغرس.
أما النائب ‘جيم هايمز’ كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات، فيعد بالنظر “حالة بحالة” في إقالة مسؤولين استخباراتيين يعتقد أن إدارة ترمب استهدفتهم بسبب تعارض تقييماتهم مع رواية الرئيس، بما في ذلك مسؤولون شاركوا في تقييمات تتعلق بترحيل مواطنين فنزويليين وبنتائج الضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية.
ثم يظهر الملف الأكثر قابلية للتحول إلى معركة سياسية مباشرة: استخدام أجهزة الدولة ضد الخصوم السياسيين. إذ ينوي الديمقراطيون التحقيق في “الملاحقات ذات الدوافع السياسية”، ومنها القضايا المرتبطة بالمدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ‘جيمس كومي’، والمدعية العامة لنيويورك ‘ليتيسيا جيمس’، ونواب ديمقراطيين ظهروا في تسجيل مصور يخاطب العسكريين الأمريكيين بشأن رفض الأوامر غير القانونية.
كما يعتزمون فحص الضغوط التي مارستها الإدارة على جامعات وشركات ومكاتب محاماة ومؤسسات إعلامية، بما في ذلك مؤسسات غيّرت سياساتها لتجنب العقوبات، وشركات تقنية وافقت على إزالة تطبيقات مرتبطة بتتبع عمليات إنفاذ قوانين الهجرة.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، يريد الديمقراطيون التدقيق في أدوار وصلاحيات المبعوثين ‘ستيف ويتكوف’ و’جاريد كوشنر’ في ملفات التفاوض مع إيران وإسرائيل وروسيا وأوكرانيا، رغم أن كليهما لم يكن، في بعض هذه الأدوار، جزءًا تقليديًا من جهاز الدولة.
ويستشهد ‘غريغوري ميكس’ Meeks، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، بصفقة اشترى فيها مستثمرون مرتبطون بالإمارات حصة بقيمة 500 مليون دولار في شركة للعملات المشفرة يديرها نجلا الرئيس وصديقه سمسار العقارات ‘ويتكوف’، قبل تنصيب ترمب العام الماضي، متسائلا بسخرية: “إذا كانت كل الملفات بيد ويتكوف وكوشنر. فمن الموجود غيرهما؟ وما دور وزارة الخارجية؟؛.
وتمتد قائمة ملفات الحساب في “الدفتر الأسود” إلى مجلس السلام في غزة، والرسوم الجمركية، والحرب على إيران، والضربات العسكرية في فنزويلا، وصفقات إعمار غزة.
أما الملف الأسخن إعلامياً والأكثر حساسية سياسياً (بالنسبة لترمب) في ذلك الدفتر، فيزيّنه اسم الملياردير المفضوح ‘جيفري إبستين’.
وربما لن يحتاج الديمقراطيون لأكثر من إعادة فتحه وتذكير الأمريكيين ببعض تفاصيله، خصوصاً ما يتعلق بخبايا “الصداقة” التي جمعته بترمب وزوجته ‘ميلانيا’. إذ يعتزم الديمقراطيون عقد جلسات استماع جديدة واستدعاء شخصيات من الدائرة القديمة لإبستين، بهدف إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام ومعرفة كيف تمكنت شبكة الاتجار الجنسي التي أقامها من الاستمرار كل تلك السنوات.
وإذا كان الديمقراطيون يحضّرون “الدفتر الأسود”، فإن البيت الأبيض يستعد بدوره لفتح دفتر مضاد. إذ بدأت الإدارة بالفعل في تدريب المسؤولين السياسيين على كيفية التعامل مع الرقابة البرلمانية، بينما دفعت وزارة العدل بحجج قانونية يمكن أن تعرقل قدرة الكونغرس على الوصول إلى بعض المعلومات. وتقول الوزارة إن مستشاري ترامب الخاصين يمكنهم التمسك بـ”الامتياز التنفيذي” لتجنب الإجابة عن بعض أسئلة الكونغرس، كما دفعت بحجة قانونية تطعن في دستورية قانون السجلات الرئاسية.
وهذا يعني أن المعركة، إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، لن تكون مجرد سباق بين لجان التحقيق في الكونغرس والبيت الأبيض، بل ستنتقل سريعًا إلى القضاء. وقد يعود اسم ترمب -وعائلته- ليجلجل مجدداً في ساحات المحاكم وأروقة النيابات، بدفاتر سوداء وأضواء حمراء .. وربما إشارات “برتقالية”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى