كتاب وشعراء

موت الزمن واغتراب الإنسان.. قراءة سيميائية وفلسفية في القصة القصيرة “نبض ضائع” للأديب والقاص: مؤيد الشاوي… بقلم الناقد: د. عبدالكريم الحلو

قصة: نبض ضائع:
بينما كنتُ أنتظر في محطة الحافلات،
كان رجلٌ عجوز يجلس بصمتٍ على مقعدٍ خشبي، يحدّق في الأرض كأنّه يبحث بين شقوقها عن زمنٍ ضاع منه.
​
دفعتني حيرة صمته ونظراته الغارقة إلى الاقتراب منه، وتعمّدتُ أن أسأله لفتح بابٍ للحديث – رغم أن ساعتي كانت تشير إلى الوقت بوضوح – فقلتُ بلطف:

– عمّي، كم الساعة الآن؟

​رفع رأسه ببطء، ونظر إليّ بعينين غارقتين في غيابٍ عميق، ثم قال:
– الساعة؟
لا أعرف… توقّفت منذ أن مات.
​تردّدتُ لحظة، ثم سألته:
– من مات؟
​ابتسم ابتسامةً باهتة،
وأشار إلى صدره:
– الوقت يا بُنيّ…
مات هنا.

ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد الساعات تعنيني.
​ساد الصمت بيننا.
​ثم نهض ببطء، واتجه بخطواتٍ متثاقلة نحو رصيفٍ خالٍ، كأنّه ينتظر حافلةً لا يراها سواه.

ظللتُ أراقبه حتى ابتلعته المسافة،
دون أن تصل حافلة، ودون أن يلتفت خلفه.
​
نظرتُ إلى ساعتي،
فإذا بعقربها يدور بلا اتجاه، يطوف حول وجهها كأنه يبحث عن نبضٍ ضائع.
​
رفعتُ عيني نحو الرصيف،
فلم أجد العجوز.
بقلم: مؤيد الشاوي – العراق

القراءة النقدية في نص “نبض ضائع” للقاص: مؤيد الشاوي

ثمّة نصوص قصيرة في حجمها،
لكنها واسعة في دلالاتها، تنجح في تجاوز حدود الحكاية لتلامس أسئلة الإنسان الكبرى.

ومن هذه النصوص تأتي خاطرة
«نبض ضائع» للأديب مؤيد الشاوي؛

نصًا مكثّفاً يزاوج بين السرد والشعرية، ويجعل من الزمن والفقد والانتظار ثالوثاً دلالياً تتحرّك داخله التجربة.

من الوهلة الأولى يختار الشاوي محطة الحافلات فضاءً سرديًا؛
وهي ليست مجرد مكان،
بل علامة سيميائية على العبور والرحيل والانتظار.

وفي قلب هذا الفضاء يظهر العجوز،
جالسًا في صمته، محدقًا في الأرض، وكأنه يبحث عن زمن لم يعد موجودًا.

وهنا تتحوّل الشخصية من فرد عابر
إلى رمز للإنسان الذي تجمّد حاضره
عند لحظة فقد.

أما السؤال البسيط:
« كم الساعة الآن؟»،
فيتحول إلى مفتاح للنص كله،
لأن الإجابة تأتي صادمة ومفارقة:

«توقفت منذ أن مات.»

بهذه الجملة ينتقل الكاتب من الزمن الفيزيائي إلى الزمن النفسي؛
فالساعة لا تتوقف حقيقة، لكن الإنسان قد يفقد إحساسه بالزمن عندما يفقد من كان يمنح لحياته معناها.

وتبلغ الدلالة ذروتها في قوله:

«الوقت يا بُنيّ… مات هنا.»

فالإشارة إلى الصدر تجعل القلب مستودعاً للزمن، وتجعل الموت حالة داخلية لا مجرد واقعة خارجية.

إننا أمام تصور فلسفي بسيط وعميق:
الزمن الذي لا يسكن الذاكرة لا قيمة له، والحياة التي تفقد معناها تتحول إلى انتظار.

وهنا تبرز براعة الشاوي في توظيف المفارقة والتكثيف؛ فهو لا يشرح ولا يعظ، بل يضع العلامة ويترك للقارئ مهمة تفكيكها.

حتى الحافلة التي لا تأتي تحمل دلالة تتجاوز الحدث؛ إنها تمثل شيئًا منتظراً،
ربما خلاصاً،
وربما عودة،
وربما موتاً.

والعجوز يمضي نحو رصيف خالٍ كأنه ينتظر شيئاً لا يراه سواه. وبذلك يصبح الانتظار ذاته مصيراً وجودياً.

أما النهاية،
فهي أكثر أجزاء النص إحكاماً:

«عقربها يدور بلا اتجاه… كأنه يبحث عن نبض ضائع.»

هنا يكتمل البناء الدائري للنص.
في البداية يفقد العجوز الزمن،
وفي النهاية تفقد الساعة اتجاهها.
يصبح الإنسان والساعة صورتين متقابلتين للضياع.

وهذه النهاية تعيدنا إلى العنوان:
« نبض ضائع».
فالنبض ليس نبض القلب وحده؛
إنه نبض الحياة،
ودفء الذاكرة،
واستمرار المعنى.

واللافت أن الشاوي لا يستعرض اللغة،
بل يراهن على لغة واضحة ذات طاقة إيحائية عالية.

وهذه هي الجزالة التي تستحق الاحتفاء:
أن تكون المفردة مألوفة، لكن انتظامها داخل السياق يمنحها دلالة غير مألوفة.

لذلك فإن وصف النص بأنه :
«خاطرة جميلة قوية جزلة هزّت عروش اللا شعر»
ليس مجاملة مجانية،
بل يمكن قراءته بوصفه إشارة إلى شعرية النص الداخلية؛
فالشعرية ليست حكراً على الوزن والقافية، وإنما قد تتخلق من الصورة والمفارقة والإيقاع والصمت والإيحاء.

لقد كتب مؤيد الشاوي نصاً قصيراً،
لكنه ترك وراءه سؤالاً طويلاً:

ماذا يحدث للإنسان حين يموت الزمن في داخله، بينما تستمر الساعة في الدوران؟

وهنا تكمن قوة «نبض ضائع»:
إنها لا تنتهي عند آخر سطر،
بل تبدأ بعده في ذاكرة القارئ.

د. عبدالكريم الحلو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى