تقارير وتحقيقات

أسلحة الجنس والمال والعنف لا تحمي “الرجولة” .. في رواية العام الأوروبية

ماذا لو كان الرجل القوي بالتعريف التقليدي غير قادر على التحكم في حياته أو توجيهها؟

كتب:خاني الكنيسي
هذه هي المفارقة التي يطرحها الكاتب ‘ديفيد زالاي’ David Szalay في رواية “اللحم” أو “الجسد” Flesh الفائزة بجائزة ‘بوكر’ Booker Prize الدولية لعام 2025، عبر تتبع حياة رجل مجري صامت، متردد، ومضطرب العلاقة بجسده ورغباته .. من المراهقة إلى الشيخوخة، ومن الجنس إلى المال والعنف وأوهام النجاح.
الرواية التي صدرت بالإيطالية والإسبانية تحت عنوان La carne، ليست عن “أزمة الرجولة” في العصر الحديث -كما قد توحي القراءة السريعة لها- وإنما في جوهرها تفكيك قاسي للأسطورة القديمة التي تقول إن الرجل يستطيع أن يصنع مصيره، بمجرد امتلاك القوة البدنية والمال والمكانة والشهوة.
“إستفان” István بطل الرواية، يبدو قريبًا من الصورة التقليدية للرجل القوي: جسد رياضي، قدرة على الاحتمال، رغبات جنسية، ثم مال ومكانة اجتماعية. لكنه كلما اقترب من الأدوات التي يفترض أن سمات القوة، اكتشف أنها لا تمنحه السيطرة التي ابتغاها.
فالجنس لا يتحول إلى انتصار، بل إلى مساحة للانكشاف والهشاشة. والعنف لا يثبت قوة الجسد بقدر ما يكشف حدوده. المال لا يحرر صاحبه من القلق، والنجاح لا يمنح الإنسان قدرة أكبر على التحكم في بوصلة حياته.
وهنا تكمن براعة ‘زالاي’؛ فهو لا يفكك صورة الذكورة “المسيطرة” من خارجها، ولا يكتب مرافعة اجتماعية ضد “الرجولة”، بل يلج إلى كوامن ضعف الجسد الذي هو ساحة المعركة الحقيقية في أحداث الرواية.
ولعل العنوان نفسه، Flesh، أكثر من مجرد إشارة إلى الجسد. فاللحم هو الجزء الأكثر مادية والأقل قابلية للتجميل في الإنسان. إنه ما يمرض ويشيخ وينزف ويرغب ويموت. أما العالم المحيط به فلا يتوقف عن التغير.
وإذا كان العقل قادرًا على بناء أوهام عن النجاح والكرامة والسلطة، فإن الجسد لا يتجاوز قيوده القاسية، ولذلك ينهزم أمام الزمن في النهاية.
بطل الرواية يعبر تاريخًا أوروبيًا كاملًا: نهاية الشيوعية، حرب العراق، انضمام المجر إلى الاتحاد الأوروبي، لندن ما بعد الهجرة، طلاق بريطانيا من أوروبا “بريكست”، ثم جائحة كوفيد-19. لكن التاريخ لا يظهر في الرواية كسلسلة من الأخبار علي شاشة التلفزيون، وإنما باعتباره هاجسا يسكن الجسد ويعيد تشكيل مصيره. الإنسان يعتقد أنه يعيش حياته، بينما التاريخ يعيش فيه. ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة “إستفان” امتدادًا لتجربة أوروبا نفسها.
حتى الجنس، الذي يحتل مساحة لافتة في الرواية، لا يستخدمه ‘زالاي’ كوسيلة “إيروتيكية” لإثارة القارئ بقدر ما يجعله اختبارًا لفكرة السيطرة. فالرغبة لا تخضع دائمًا للعقل، والعلاقة الحميمة يمكن أن تكون موطن ضعف بدل أن تكون لحظة انتصار.
يقول ‘ديفيد زالاي’ -في مقابلة مع صحيفة El País الإسبانية- إن الجنس والعنف “تجارب غير لفظية”، ولذلك يصعب جدًا الكتابة عنهما.
هذه الجملة ربما تكون المفتاح لفلسفة الكاتب التي تصورها شخصية بطل روايته. فحين يصمت “إستفان”، تصبح لغة جسده -حركاته ورغباته وانفعالاته- أكثر بلاغة من أي اعتراف مباشر.
البطل رجل قليل الكلام، شديد التحفظ، يكرر كلمة “حسنًا” أو Okay بصورة لافتة، وكأن اللغة نفسها غير قادرة على ترجمة ما يعتمل داخله. لكن هذا الصمت لا يعني غياب المشاعر.
ولذلك تعمد الكاتب ترك “فراغات بيضاء” في بعض صفحات الرواية، وكأنها جزء من السردية.
في هذا السياق، تبدو Flesh غير مهتمة بسؤال : ماذا حدث للرجال؟، وأكثر ولعًا باستكشاف ماذا يحدث للإنسان (الرجل) حين يعي أن أدوات القوة التي ظن أنها تمنحه السيطرة على حياته عاجزة عن ذلك.
وفي تطورات أحداثها، يرتقي “إستفان” اجتماعيًا، فيقترب من عالم الأثرياء في لندن، عندما يعمل سائقًا لدى رجل بالغ الثراء ثم لدى ملياردير. لكن الاقتراب من قمة الهرم لا يحل المعضلة. فالمال، مثل شهوة الجنس والقوة الجسدية، يثبت أن امتلاك شيء لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في الحياة.
من هذه الزاوية، يمكن مقارنة فلسفة ‘ديفيد زالاي’ الأدبية مع كتابات الروائي الأمريكي ‘إرنست همنغواي’، ليس لأنه يعيد إنتاج صورة “الرجل القوي”، وإنما لأنه يأخذ تلك الصورة ويدفعها إلى أقصى حدودها حتى تظهر هشاشتها.
ولد ‘زالاي’ في مونتريال عام 1974 لأب مجري وأم كندية، ونشأ في إنجلترا، وعاش في بلدان عدة قبل أن يستقر في فيينا. وسبق أن وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة “بوكر” المرموقة عام 2016 عن All That Man Is، قبل أن يفوز بها في 2025 عن “الجسد” التي يصعب تصنيفها. فهي ليست رواية بفكر “نسوي”، ولا هي عن “الرجل الضائع” بالمعنى المباشر، ولا حتى رواية عن الجنس والعنف رغم حضورهما الكثيف. إنها رواية عن الإنسان حين تسقط عنه أوهام السيطرة.
ففي عالم ‘زالاي’، لا يموت “الرجل الحديث” لأنه أصبح ضعيفًا، بل لأن تعريف القوة نفسه لم يعد قادرًا على إنقاذه. يموت نموذج “الرجولة” القديم ببطء، داخل الجسد، وفي غرف النوم، وفي ساحات الحرب، وفي المدن التي تتغير بوتيرة أسرع من قدرة البشر على فهمها.
مآ يبقى بعد كل ذلك، هو الإنسان “العاري” أمام جسده، ورغبته، وذاكرته، وآلة الزمن.
وهذا، ربما، هو مغزى Flesh كما أراده الكاتب في رواية العام الأوروبية: حين تسقط كل الأقنعة التي صنعتها الثقافة للرجل، لا يبقى في النهاية سوى اللحم المتآكل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى