رؤي ومقالات

د . يحيى ابو زكريا يكتب : امة فقدت أصالتها .. لا هيَّ عرب ولا هيَّ فرنجة !!

أُمّةٌ فقدت أصالتها: لا هي عربٌ ولا هي فرنجة!

بقلم المفكر الجزائري الدكتور يحيى أبو زكريا

كان العرب في جاهليتهم، رغم قسوة ذلك الزمن وفوضى القيم فيه، يعرفون معنى الأصالة، ويميزون بين الأصيل والهجين، بل كانوا يملكون من الفراسة ما يجعلهم يختبرون جوهر الأشياء لا مظاهرها.
وتُروى حكاية عن الخيل العربية أنهم إذا تكاثرت عندهم واختلط الأصيل منها بالهجين، جمعوها في مكان واحد، ومنعوا عنها الطعام والشراب، ثم أوسعوا الجميع ضربًا وإهانة، وبعد ذلك قدموا إليها الطعام والشراب.
عندها كانت الخيل تنقسم إلى فريقين:
فريق يهرول إلى الطعام والشراب، وكأن شيئًا لم يكن، لا يعنيه من ضربه ولا من أهان كرامته، وكل همه أن يملأ جوفه.
وفريق آخر كان يأبى أن يأكل من اليد التي ضربته وأهانته.
وبهذه الطريقة كانوا يميزون، وفق الحكاية المتداولة، بين الأصيل والهجين.
قد تكون الحكاية رمزية أكثر منها واقعة تاريخية موثقة، لكنها تحمل سؤالًا حضاريًا بالغ الخطورة:
ماذا لو طبقنا معيارها الرمزي على الإنسان؟
كم من أناسٍ فقدوا قدرتهم على التمييز بين الكرامة والإذلال، وبين الاستقلال والتبعية، وبين الانتماء الحقيقي والانتماء الشكلي؟
لقد كان العربي القديم، في أحلك مراحل الجاهلية، يعتز بالكرامة، وينفر من الضيم، ويعتبر الوفاء بالعهد والشجاعة ونصرة المظلوم وحماية الجار وإغاثة المستجير من مكارم الرجال.
ثم جاء الإسلام فهذّب هذه القيم، ونقلها من العصبية القبلية إلى أفق إنساني وأخلاقي أرحب، فجعل معيار التفاضل التقوى والعمل والعدل، لا الدم والنسب.
لكن المأساة أن بعض العرب المعاصرين فقدوا حتى ما كان عند أسلافهم من مروءة!
فماذا بقي من العربي إذا فقد الكرامة، والوفاء، والنجدة، والاستقلال، والغيرة على الإنسان والأرض والحق؟
المشكلة ليست في أن يتعلم العربي لغات العالم، أو يقتبس من الحضارات، أو ينفتح على الغرب والشرق. فالحضارات لا تبنى بالانغلاق، والأمم الحية تتعلم من غيرها دون أن تفقد ذاتها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفتاح إلى ذوبان، والتعلم إلى تقليد أعمى، والحداثة إلى استلاب، والتقدم إلى احتقار للذات والتاريخ واللغة والثقافة.
عندها يصبح الإنسان معلقًا بين عالمين:
لا هو حافظ على شخصيته العربية، ولا هو أصبح أوروبيًا أو غربيًا بالمعنى الحضاري.
إنه كائن بلا بوصلة؛ يستعير لسان الآخر، وملابسه، وشعاراته، وأفكاره السطحية، لكنه لا يستعير منه العلم والعمل والانضباط والمؤسسات واحترام القانون وإنتاج المعرفة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
نقلّد الغرب في القشرة، ونرفض أن نتعلم منه كيف بنى الدولة والجامعة والمختبر والمصنع ومؤسسات المعرفة.
نستورد منتجاته، ولا ننتج مثلها.
نستهلك أفكاره الرائجة، ولا نشارك في صناعة الأفكار.
نعجب بقوته، ثم نمارس على أنفسنا كل ما يجعلنا أضعف.
إنها ليست حداثة؛ إنها حالة من الاغتراب الحضاري.
والأخطر من ذلك أن بعض أبناء الأمة أصبحوا يبررون إهانة شعوبهم، ونهب ثرواتهم، وإضعاف دولهم، وقمع حرياتهم، ثم يبحثون عن ألف عذر لذلك.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل فقدنا القدرة على التمييز بين اليد التي تبني واليد التي تضرب؟
ليست الأصالة أن نعيش في الماضي، ولا أن نكرر أشعار الأجداد، ولا أن نفتخر بأنسابنا، ولا أن نرفع شعارات عربية ضخمة بينما واقعنا الحضاري هزيل.
الأصالة الحقيقية هي أن تمتلك شخصية.
أن تعرف من أنت، وماذا تريد، وإلى أين تتجه.
أن تستطيع أن تتعلم من الآخر دون أن تتحول إلى نسخة منه.
أن تستفيد من الحضارة دون أن تصبح تابعًا لها.
أن تحترم العالم دون أن تحتقر نفسك.
أن تنفتح على الآخر دون أن تخلع جلدك الحضاري.
لقد كان أجدادنا، في أحلك الظروف، يقولون: الموت ولا الدنية.
أما نحن، ففي بعض الحالات، فقد أصبحنا نقبل الدنية ثم نبحث لها عن فلسفة تبررها!
وهذا هو الهجين الحقيقي.
ليس الهجين في الدم، ولا في اللغة، ولا في الملامح.
الهجين الحضاري هو إنسان فقد البوصلة، فلا يعرف ما الذي يجب أن يحتفظ به، وما الذي يجب أن يرفضه، وما الذي يجب أن يتعلمه.
إن الأمة لا تموت عندما تخسر معركة عسكرية، وإنما تموت حين تفقد قدرتها على تعريف ذاتها، وحين تصبح عيونها في رأس غيرها، وحين تستمد قيمتها من إعجاب الآخر بها.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الغرب، ولا مع الشرق، ولا مع أي حضارة أخرى.
معركتنا الأولى مع الاستلاب الذي استوطن عقولنا.
نحن بحاجة إلى جيل عربي جديد لا يعيش على أمجاد الأجداد، بل يصنع أمجادًا جديدة؛ جيل يعرف تاريخه دون أن يسكن فيه، ويحترم تراثه دون أن يقدسه، وينفتح على العالم دون أن يذوب فيه، ويؤمن بأن العربية ليست مجرد لغة ماضٍ، بل يمكن أن تكون لغة علم وفلسفة وفكر وإبداع ومستقبل.
فالأمم الأصيلة ليست تلك التي تصرخ كثيرًا عن أصالتها، وإنما تلك التي تنتج، وتبدع، وتفكر، وتقاوم التبعية، وتحمي كرامتها، وتصنع مستقبلها.
أما أكثر الهجين في مجتمعنا اليوم، فليس في الخيل…
بل في الخيال!
خيالٌ فقد القدرة على أن يرى نفسه، وعقلٌ فقد القدرة على أن يفكر مستقلًا، وإنسانٌ فقد القدرة على أن يقول «لا» عندما تكون «لا» هي آخر ما تبقى من كرامته.
والسؤال الذي ينبغي أن نهرب منه أقل، ونواجهه أكثر:
هل ما زلنا أمةً تعرف قيمة الأصيل، أم أصبحنا أمةً لا تميز بين اليد التي تطعمها واليد التي تهينها؟

د. يحيى أبو زكريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى