
ليل مونتريال
أصبحتُ مثلما قال محمود درويش:
أنا مثل صّبار حزين يبكي لأنه يعرف أنه لن يحتضنه أحد.
لساعات أركب قطار الساعة السابعة صباحاً ، بدون وجهة معينة ، السائق ينظر اليّ مختلساً ، ويحسبني ضائعة ، يتوقف القطار عند كل المحطات ولا أنزل ، ينظر اليّ السائق من جديد ويخلع نظارته الطبية ويسألني بالفرنسية إن كنتُ ضائعة ، فلا أجيبه ، ثم يحادثني بالانجليزية فلا أجيبه أيضاً ، وكأن خيطاً ضبابياً يحول بيننا ، يحّول نظره الى المقود ويهز برأسه متأسفاً ، وحال لسانه يقول ( يا لها من امرأة تعسة) .
أنا لستُ حزينة.
أنا أشعر بالحنين.
هذا الشعور الذي يخّيم عليّ كلما صادفني وجهاً ما في الشارع ، أشعر أني أعرفه ، أو التقيتُ به ، ثم تقودني رائحته الى زمن ما ، فتنفجر الذكريات الحزينة دفعة واحدة ، وكأنها رشقات رصاص في قلبي ، كل التفاتة تذّكرني بشيء ما ، بحدث ما ، بمناسبات أرخت عليّ بثقلها ، وأنا أحاول ألا أفكر كي لا أشعر بالظمأ إليها.
هذه ليست أنا.
ولا أحب أن أكونها.
جزء مني يفكر بك ، أجدني أكتب اليك بدون وعي ، وكأنك بوصلتي عن الزمن الجميل ، وكأنك وحدك وجهتي للحياة ، وكأن ابتسامتك قادرة وحدها على شفائي كأنني ريشة .
السائق يتوقف بآخر محطة ، يخرج شيئاً من جيبه ، ثم يتوقف أمامي ، لقد حاول بكل اللغات أن يصل اليّ ، ثم حين فشل يقدم لي قطعة حلوى ، ربما جلبها لابنته ، لكنه يفضّل أن يعطيها لامرأة حزينة لا تعرف الكلام ، ابتسم له وأنا آخذها ، أقول له بالفرنسية ( شكراً) فيبتسم وكأنه وجد أخيراً لغتنا المشتركة.
ليته يعرف كم من المساءات مضت وأنا لا أعرف كيف أداري ما أشعر به ، لا الكتابة تنفع ، ولا قطع الحلوى ، ولا مسارات القطارات ، ولا أضواء الأنفاق التي تتوهج في العتمة كأنها نجوم.
هذه ليست حياتي التي أريدها.
تتوارد الأخبار عن الوطن
وعن البيت القديم….
وعنك …..
ثم ينفجر شريان في داخلي….
أحسب أني سأتشبث بأول قطار يصلني إليك….
ألملم أوراق كتاباتي…
وأتزيّن ….
وأحمل اسمي معي…
ثم فجأة يتسلل ضوء النهار الى نافذتي…
فأدرك أنها نوبات الهلع…
وأن ما من سائق..ولا قطار…ولا قطعة حلوى
وأنني وحدي أصارع نبات الصّبار كي لا يبقى وحيداً.