تقارير وتحقيقات

لماذا تخلّت الإمارات عن حليفها “اللدود” في إسرائيل؟ وكيف تعلّم دحلان الدرس الانتخابي؟ وماذا تعني عودة “الرحيل الطوعي” في غزة؟

الأسئلة أعلاه ليست عشوائية الاختيار، مثلما أن المنشور أدناه ليس ترويجًا لرواية إسرائيلية أو إعادة تدوير لفرضيات مؤامرة في الإعلام العربي.

هي، ببساطة، الأسئلة التي يطرحها -ضمنيًا- أحد أبرز محللي الشؤون العربية في الإعلام الإسرائيلي، ‘جاكي هوجي’ Jacky Hugi في مقاله اليوم بصحيفة ‘معاريف’، ووجدت أنه يستحق أن نقرأه ببعض التأنّي وبكثير من تأمل ما بين السطور: لا لنبحث فيه عن رواية جاهزة نصدقها أو نرفضها، بل لفهم ما يقول عن إسرائيل من داخلها، وعن حلفائها العرب وضحاياها الفلسطينيين، وعن خلفيات ومستقبل صراع مفتوح لن تحسمه الانتخابات المقبلة بقدر ما ستكشف حجم الانقسام حوله.
فالمقال الذي حمل عنوان ” السبب الحقيقي لصمت الإمارات”، يبدأ من لغز المكالمة الهاتفية المزعومة بين الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي، قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر 2023. والمكالمة التي نفاها مكتب النتنياهو رسميًا بل وهدّد بملاحقة ‘هآرتس’ التي فجّرتها قضائيًا، وصمتت عن تأكيدها أو نفيها أبوظبي مكتفية بالقول إنها لا تعلق على “التقارير الإعلامية أو التكهنات بشأن المحادثات بين القادة”، مع تأكيد استمرار قنوات الاتصال بين الجانبين .. كل ذلك ليست هي القصة، من وجهة نظر ‘هوجي’، الذي يرى أن جوهر القضية أن الجمهور والصحافيين -على حد سواء- فقدوا “بوصلة الحقيقة” وسط الروايات المتناقضة، وفقدوا الثقة في شفافية “دولة” تبدو متخبطة في نقل المعلومات المرتبطة ليس فقط بالساعات التي سبقت 7 أكتوبر، بل بما كان يحدث طوال السنوات التي سبقت ذلك “الطوفان”، كما يبدو قادتها أكثر انشغالًا بحسابات
الانتخابات العامة في 27 أكتوبر التي تشهد منافسةً “غير شريفة” بين الليكود بزعامة النتنياهو ومنافسه رئيس الأركان السابق ‘غادي آيزنكوت’ رئيس حزب ‘يشَر’، دون أن يمتلك أي من المعسكرين ضمانات بالفوز بأغلبية الـ61 مقعداً في الكنيست، لتشكيل الحكومة “اليمينية” القادمة.
ماذا كانت أبو ظبي تعرف، وماذا نقلت، وماذا فعلت إسرائيل بهذه المعلومات؟
بغض النظر عن مدى دقة رواية ‘هآرتس’ بشأن المكالمة التي أجراها بن زايد مع النتنياهو لمدة 45 دقيقة في أواخر سبتمبر 2023 (عبر آلية اتصال خاصة طوّرتها الإمارات)، يرى ‘هوجي’ أن الثابت وجود “اتصالات يومية ومباشر” بين أبو ظبي وتل أبيب قبل 7 أكتوبر بشهور عدة، وأن تلك الاتصالات مازالت قائمة “بانتظام” حتى اليوم. ثم يقول إن الإمارات نقلت تحذيرات من احتمال انفجار الساحة الفلسطينية بسبب تراكمات متمثلة في السلوك الإسرائيلي (العدواني) بالقدس الشرقية، والضغط السياسي والاقتصادي والعسكري على غزة، والتدهور في الضفة الغربية، وهي العوامل ذاتها التي وردت في حيثيات “التحذير المصري” المماثل من “أمر جلل يتم التحضير له في غزة على يد حماس”، قبل هجمات 7 أكتوبر بأسابيع.
لكن لماذا صمتت الإمارات عن تأكيد أو تكذيب المكالمة التحذيرية؟
هنا يستحضر الكاتب الإسرائيلي سابقة شديدة الحساسية في الذاكرة العربية؛ عندما قاد الملك حسين بن طلال طائرته الخاصة يوم 25 سبتمبر 1973 (أي قبل 11 يوماً من حرب أكتوبر (، ليلتقي رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك ‘غولدا مائير’ في منشأة تابعة للموساد شمال تل أبيب، وينقل إليها معلومات من مصدر سوري “حساس” بشأن استعدادات سورية ومصرية لشن حرب متزامنة على جبهتين.
في الذاكرة العربية، بقي ملك الأردن مرتبطاً بصورة الحاكم العربي “الخائن”، وهذا هو “الهاجس” الذي يقول ‘هوجي’ إنه يسيطر على عقل محمد بن زايد ويقيّد حرية حركته. فإذا أكدت الإمارات أن رئيسها حذر النتنياهو من مخطط السنوار، فستبدو وكأنها قدمت لإسرائيل معلومة حساسة لإحباط هجوم فلسطيني .. وإذا نفت، فإنها قد تساعد النتنياهو سياسياً على الخروج من أحد أخطر المستنقعات في موسم انتخابي حرج.
وعند هذه النقطة، يذهب ‘هوجي’ إلى قراءة لافتة؛ خلاصتها أن أبو ظبي ليست من أنصار استمرار النتنياهو، وأن “طموحها الخفي هو زواله من السلطة”، على حد التعبير الذي استعمله في مقاله بمعاريف.
فالإمارات، بحسب ‘هوجي’، لا ترغب في التورط علناً في “الهستيريا الطفولية” التي تميز السياسة الإسرائيلية في هذه المرحلة. “إسرائيل بالنسبة لأبوظبي صديق وحليف، أما الإسرائيليون، فعليهم تحمل نتائج سياسات حكومتهم (الرعناء)”.
ثم ما يلبث أن يلفت المقال انتباهي الخاص، عندما يظهر اسم محمد دحلان في سياق اتهامات من مكتب النتنياهو بأن السياسي الفلسطيني -الفتحاوي سابقًا- المقرّب من رئيس الإمارات، “يحاول التأثير في الانتخابات الإسرائيلية”!!
ولعل ما لفت انتباهي أكثر في هذا السياق، تعليق ‘هوجي’ الطريف بأن دحلان إنما “يقتدي” في ذلك التوجه بإسرائيل نفسها التي تدخلت مرتين سابقتين -ولا تزال- في الانتخابات الفلسطينية، ولعبت دوراً -من وراء الستار- في تشكيل المشهد السياسي بالضفة الغربية وغزة، وفقاً لحساباتها الأمنية.
وفي السياق ذاته، يرد اسم “أبو مازن” محمود عباس، الذي يقول ‘هوجي’ صراحةً إن إسرائيل “جنّدته” لتعطيل الانتخابات، تماما مثلما “يجند دحلان موالين له من بين الإسرائيليين، خصوصًا الصحافيين” لتمرير أجندته.
لكن الأهم أن المحلل الإسرائيلي البارز ينتقل -بكل سلاسة- من هذه النقطة الدرامية في مقاله إلى القضية الأكثر حساسية في الوعي الفلسطيني والعربي؛ ألا وهي عودة عبارة “الهجرة الطوعية” لسكان غزة إلى واجهة الخطاب السياسي الإسرائيلي. وفي سياق محاولة ‘هوجي’ الإجابة عما تعنيه العبارة فعلياً وتفكيك مغزاها وأبعادها من داخل المعادلة الإسرائيلية، يعترف بأن “الهجرة الطوعية” ليست سوي “مصطلح منمّق لعملية واسعة النطاق”.
فيستشهد بما قاله -حرفيًا- الجنرال ‘عوفر وينتر’ (قائد لواء “غفعاتي” السابق المعروف بتطرفه الديني وبعبارته عند اقتحام غزة “نبتهل إلى الرب أن يمنحنا القوة”)، في حفل إطلاق حزبه الجديد “عماخ يسرائيل” (اليميني المتطرف): “يرغب سكان غزة في المغادرة، وعلينا مساعدتهم”.
ثم يستحضر الكاتب مقابلة قديمة أجراها مع الجنرال ‘رحبعام زئيفي’، الوزير السابق في عهد ‘شارون’ ومؤسس حزب “موليدت” المتطرف الذي تبنى مبدأ “الترانسفير” (أي ترحيل الفلسطينيين من أراضيهم)، ودعا علنًا إلى توسيع الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، فيقول ‘هوجي’: سألته عمّا إذا كان ينوي نقل سكان الضفة بالحافلات إلى جسر اللنبي وترحيلهم من هناك مع مبلغٍ كبيرٍ من المال؟! فأجاب: “بالطبع لا، الفكرة هي أن نجعل حياتهم بائسةً ومستحيلةً، إلى أن يرغبوا في المغادرة من تلقاء أنفسهم”.
وهنا يصل ‘هوجي’ إلى الجزء الأخير من مقاله، مع مقارنة تاريخية كاشفة (بغض النظر عن صحتها أو عن اتفاقي الشخصي مع مضمونها)، فيقول:
لا أحد يعلم عدد سكان غزة الراغبين في المغادرة هذه الأيام. لكنهم لن يفعلوا ذلك طواعيةً، ولن يتركوا منازلهم وخيامهم إلا إذا أُجبروا على ذلك. إذا لوّحنا أمامهم بشيكٍ ضخم وأجبرناهم على قول “أريد الرحيل”، فهذا يعني أنهم “وافقوا تحت الإكراه”، وهذا هو لب “الترحيل”.
ما زلنا نتجادل حول ما إذا كان يهود مصر والعراق قد غادروا وطنهم طواعيةً. فيقول العرب إنه لم يكن لديهم سببٌ للمغادرة، ويدّعي اليهود أن معظمهم أُجبروا على الفرار.
في كلا البلدين، ازداد الاضطهاد بعد قيام دولة إسرائيل، وغادر معظم أفراد الجالية اليهودية. فهل كان ذلك نقلًا قسريًا أم رحيلًا طوعيًا؟ الأمر نفسه ينطبق اليوم على سكان غزة.
لكن إلى أين المفرّ؟! في وقت سابق، دار حديث عن اتصالات مع إثيوبيا واتصالات منفصلة مع السودان، لكن دون أي نتيجة حاسمة.
أما مصر فترفض رفضًا قاطعًا استقبال لاجئي غزة، باعتبار أن في ذلك إجهاضًا لحلّ الدولتين القائم على الربط الجغرافي بين غزة والضفة، كما تعتقد القاهرة أن اللاجئين يجلبون معهم المشاكل، وهي غير مستعدة لحلّ مشاكل إسرائيل على حسابها الخاص.
‘جاريد كوشنر’ صهر ترمب ومستشاره المقرّب، أكد لحماس خلال محادثات مباشرة أن البيت الأبيض تراجع عن فكرة إخلاء غزة من سكانها. ويبدو أن الأمريكيين استعاضوا عن الخطة بمشروع إعادة إعمار غزة ومجلس السلام.
ويختم الكاتب الإسرائيلي رؤيته لقضية “التهجير” بفقرة جديرة بالتمعن، فيقول: “من السذاجة الاعتقاد بأننا سنجعل حياة الغزيين بائسة إلى حد دفعهم للرحيل. إن اقتلاع الناس من ديارهم عملية مؤلمة تبقى محفورة في عقول وقلوب المُهجّرين، والأهم أنها لا تنتهي بالترحيل نفسه، بل هي مجرد بداية. يجب أن نُدرك أننا بفعلنا هذا، نفتح حسابًا شخصيًا ليس فقط مع أولئك الذين سيُجبرون على الرحيل، بل أيضًا مع أحفادهم وأبناء أحفادهم”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى