رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب:بين جدار المستعمرة وباب الدار في ترمسعيا

بقلم:

لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة حوادث متفرقة يمكن عزلها عن سياقها؛ فقد تحولت إلى ظاهرة ممتدة تمسّ قرى ومدنًا فلسطينية عديدة، من ترمسعيا وقُصرى والمغير وجالود، إلى مناطق الأغوار ومسافر يطا وغيرها.

وتكشف أحدث بيانات الأمم المتحدة اتساع هذه الظاهرة بصورة مقلقة: فقد وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 1,600 اعتداء للمستوطنين خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، طالت 275 تجمعًا فلسطينيًا، بمتوسط 6.7 اعتداء يوميًا. وشملت الاعتداءات المنازل والأراضي الزراعية والمواشي ومصادر المياه والكهرباء والأشجار وسبل العيش، وأسهمت الاعتداءات والقيود المرتبطة بها في نزوح آلاف الفلسطينيين.

وهنا تبرز ترمسعيا بوصفها صورة مكثفة لمفارقة أشد اتساعًا: فلسطينيون يحمل عدد منهم الجنسية الأمريكية، عاشوا في الولايات المتحدة في ظل القانون وحماية الملكية والأمن، ثم عادوا إلى أرض أجدادهم ليجدوا أن هذه الحقوق الأساسية مهددة بالاعتداء والاستيطان. وتزداد المفارقة حين يكون بين المعتدين مستوطنون يحمل بعضهم الجنسية الأمريكية أيضًا.

لكن القضية لا تتوقف عند ترمسعيا. ففي قُصرى، أدت اعتداءات المستوطنين إلى اقتحامات واعتداءات وإحراق وتخريب وقطع للمياه والكهرباء ومحاولات لتقييد حركة سكان فلسطينيين داخل بيوتهم؛ وقد وثقت الأمم المتحدة هذه الوقائع، بما فيها طلب السكان تدخل القوات الموجودة في المكان دون أن يحصلوا على الحماية المطلوبة.

وفي المغير وجالود ومسافر يطا والأغوار وغيرها، تتكرر الصورة بأشكال مختلفة: حرق، اقتلاع أشجار، الاعتداء على السكان، تخريب مصادر المياه والكهرباء، الاستيلاء على المراعي، إتلاف المحاصيل، وفرض واقع ميداني يدفع السكان تدريجيًا إلى ترك أراضيهم. وقد وصفت الأمم المتحدة عنف المستوطنين في 2026 بأنه بلغ مستويات غير مسبوقة، وأشارت إلى دوره المتزايد في النزوح.

المسألة إذن ليست مجرد خلاف بين سكان ومستوطنين، بل تتصل بجوهر الاستيطان بوصفه واقعًا مفروضًا بالقوة على الأرض الفلسطينية المحتلة. فعندما يصبح الاعتداء وسيلة لتقييد الفلسطيني في أرضه، وعندما تتحول حماية الأرض والماء والبيت إلى معركة يومية، فإن الخطر لا يعود في الحادثة وحدها، وإنما في تراكمها إلى واقع جديد يُراد فرضه على الأرض وسكانها.

ومن هنا، فإن ترمسعيا لا تسأل الولايات المتحدة عن مواطنيها الفلسطينيين وحدهم؛ إنها تطرح سؤالًا أوسع عن اتساق القانون والقيم: ماذا يعني أن يحمل فلسطيني الجنسية الأمريكية، ثم يجد نفسه في موطنه الأصلي بلا الحماية التي يفترض أن توفرها سيادة القانون؟ وماذا يعني أن يحمل المعتدي الجنسية الأمريكية نفسها؟

إن إدانة العنف خطوة ضرورية، لكنها لا تعيد بيتًا أُحرق، ولا شجرة زيتون اقتُلعت، ولا أرضًا مُنع أصحابها من الوصول إليها. المطلوب هو أن تتحول حماية المدنيين ومحاسبة المعتدين إلى ممارسة فعلية، وأن تتوقف سياسة الإفلات من المساءلة.

بين جدار المستعمرة وباب الدار في ترمسعيا، وبين قُصرى والمغير وجالود ومسافر يطا وسائر قرى الضفة، تتكرر الحكاية نفسها: شعب تحت الاحتلال يُطلب منه أن يحمي بيته وأرضه وحقه في الحياة، فيما يتسع الاستيطان ويتصاعد عنف المستوطنين.

وهنا لا يعود السؤال فلسطينيًا فقط، بل يصبح سؤالًا عالميًا: هل تكون حرية الإنسان وملكيته وأمنه حقوقًا ثابتة، أم حقوقًا تتغير قيمتها عندما يكون الإنسان فلسطينيًا وتكون أرضه تحت الاحتلال؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى