
حين تقول تركيا إن مقترحات لإنهاء القتال في اليمن نُقلت إلى جميع الأطراف، فهذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية عابرة، خصوصاً في ظل التصعيد المتزايد حول اليمن والبحر الأحمر.
فالمؤشرات تقول إن الملف اليمني عاد مجدداً إلى غرف القرار الإقليمي والدولي، وأن العواصم بدأت تبحث عن مخرج يمنع اتساع دائرة الصراع.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل هناك وساطة تركية؟ بل: ماذا يجري فعلياً خلف الكواليس، ولماذا الآن؟ الجواب يبدأ من باب المندب.
السعودية تنظر إلى اليمن من زاوية أمن حدودها وأراضيها، ومصر تنظر إلى البحر الأحمر وقناة السويس باعتبارهما جزءاً من أمنها القومي، والقوى الدولية تنظر إلى باب المندب باعتباره ممراً حيوياً للتجارة العالمية، بينما تتحرك تركيا وعُمان وغيرهما بين الأطراف بحثاً عن تفاهم يمنع انفجاراً إقليمياً أوسع.
كل ذلك مفهوم، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط هذا الحراك: لا يمكن حماية باب المندب وترك اليمن يغرق في أزمته.
فالممر البحري ليس منفصلاً عن الساحل اليمني، والساحل ليس منفصلاً عن الدولة، والدولة لا تستطيع حماية موانئها وسواحلها ومنافذها إذا ظل القرار العسكري والأمني موزعاً بين قوى متعددة.
قد تنجح السفن الحربية في حماية الملاحة لفترة، وقد تنجح الضغوط الدولية في خفض الهجمات، وقد تنتج الوساطات هدنة مؤقتة، لكن كل ذلك سيظل معالجة للنتائج إذا بقيت جذور المشكلة على الأرض كما هي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يحرس باب المندب؟
بل: من يسيطر على الساحل اليمني؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يملك القرار؟ وهنا تبرز أهمية أي تحرك دبلوماسي يجري حالياً.
فتركيا، بما تملكه من علاقات مع أطراف إقليمية مختلفة، يمكن أن تلعب دوراً في نقل الرسائل وفتح قنوات الاتصال.
وعُمان تملك بدورها قنوات معقدة ومهمة مع أطراف الصراع، وفي المقابل، تتحرك السعودية والولايات المتحدة وإيران كلٌ وفق حساباته ومصالحه، لكن تعدد الوسطاء لا يعني بالضرورة وجود صفقة جاهزة.
ما يجري، على الأرجح، هو مرحلة جس نبض واختبار للحد الأدنى الممكن من التفاهم: ماذا يريد كل طرف؟ وما الذي يمكن أن يقبله؟ وما الذي يعتبره خطاً أحمر؟
وهنا تكمن صعوبة الملف اليمني، فالهدنة شيء، والسلام شيء آخر.
يمكن وقف القصف، وفتح الطرق، وتبادل الأسرى، وخفض التوتر، لكن السؤال الذي سيظهر بعد ذلك هو: ماذا عن السلاح؟ ماذا عن الموانئ؟ ماذا عن الإيرادات؟ ماذا عن شكل الدولة؟ ماذا عن القوات المسلحة؟ وماذا عن العلاقة بين القوى التي فرضت الحرب نفسها لاعباً سياسياً؟
إذا تحولت الهدنة إلى مجرد تجميد لنتائج الحرب، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيأخذ شكلاً جديداً.
اليمن لا يحتاج إلى حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية، لكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى سلام يقوم على تكريس الانقسام.
المطلوب مسار سياسي يعيد تنظيم علاقة القوى بالدولة، ويقود في النهاية إلى مؤسسات وطنية واحدة، وقرار سيادي واحد، ومؤسسة عسكرية وأمنية تخضع للدولة، وسلطة قادرة على إدارة الموانئ والسواحل والجزر، وهنا تحديداً يجب أن يكون اليمن حاضراً في أي نقاش دولي حول أمن البحر الأحمر.
لا ينبغي أن يصبح اليمن مجرد جغرافيا مطلوب تأمينها لحماية السفن، ولا أن يتحول باب المندب إلى عنوان أمني منفصل عن مستقبل الدولة اليمنية.
فأمن البحر يبدأ من أمن اليابسة، وإذا كانت العواصم الإقليمية والدولية قلقة على الملاحة، فعليها أن تدرك أن حماية السفن قد تكون إجراءً ضرورياً، لكنها ليست حلاً دائماً.
الحل الدائم يبدأ عندما يصبح الساحل اليمني تحت سلطة دولة مستقرة، وعندما يصبح استخدام الجغرافيا اليمنية في الصراعات الإقليمية أمراً غير ممكن.
قد تتعدد المبادرات، وتتغير التحالفات، وتتبدل خرائط النفوذ، وتنتقل الرسائل بين أنقرة ومسقط والرياض وطهران وواشنطن، لكن كل هذه الطرق ستعود في النهاية إلى نقطة واحدة: اليمن نفسه.
فإذا كان العالم يريد بحراً آمناً، فعليه أن يساعد على بناء يمن آمن، وإذا كانت العواصم تريد وقف تهديد الملاحة، فعليها ألا تكتفي بحماية باب المندب من البحر، بل أن تعمل على معالجة أسباب عدم الاستقرار على الساحل اليمني.
وإذا كان الهدف هو السلام، فلا ينبغي أن يكون السلام مجرد صمت مؤقت للمدافع، ولا هدنة طويلة بين مراكز قوة متنافسة.
السلام الحقيقي هو أن يصبح السلاح جزءاً من الدولة لا بديلاً عنها، وأن يصبح القرار السياسي يمنياً، وأن تصبح الموانئ والسواحل والجزر تحت سلطة مؤسسات الدولة، وأن يتحول باب المندب من ورقة ضغط في صراعات المنطقة إلى بوابة للتجارة والاستقرار.
لذلك، فإن التحرك الدبلوماسي الحالي يستحق المتابعة، ليس فقط لمعرفة من يتوسط ومن ينقل الرسائل، وإنما لمعرفة ما الذي سيُطرح على الطاولة عندما تبدأ المفاوضات الجدية.
فالمعيار الحقيقي لأي مبادرة لن يكون عدد الاجتماعات التي تعقد خارج اليمن، ولا عدد البيانات التي تصدرها العواصم، وإنما ما ستستطيع هذه المبادرات أن تغيره داخل اليمن.
لا تحموا باب المندب وتتركوا اليمن .. فمن يريد بحراً آمناً، عليه أن يبدأ بيمن آمن، ومن يريد سلاماً دائماً، عليه أن يبني دولة لا أن يثبت نتائج الحرب.