السجادة الأثيوبية ومفروشات القرن الإفريقي: هل يكتب “التحالف العسكري السباعي” سيناريو سقوط آبي أحمد؟

كتب:هاني الكنيسي
“بناء سد على نهر النيل ليس كفرش سجادة في المنزل” .. هذه العبارة التي وردت على لسان وزير الري المصري د.هاني سويلم مخاطبًا السياسيين الأثيوبيين والتي أشعلت السوشيال ميديا منذ أمس (الأحد)، ورغم ما تحمله من استعارة بلاغية تعجب الإعلام وتلميحات تُقرأ في الأوساط الدبلوماسية كتهديد مصري مبطّن، إلا أنها لا تشي باحتمالات تغيير “على الأرض” في معادلة الصراع بين البلدين، مثلما حمل إعلان تحالف “قوى شعوب إثيوبيا من أجل البقاء” بين سبع جماعات مسلحة، عن “توحيد القوى لإسقاط حكومة آبي أحمد”.
انضواء سبع من كبرى الحركات المسلحة (على رأسها جماعة “فانو” أمهرة، وجبهة تحرير شعب تيغراي TPLF اللتان كانتا تتقاتلان حتى 2022، فضلا عن جيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين، وحركات من عفر وبنيشنغول وغوموز)، تحت لواء واحد وهدف سياسي موحد، ليس مجرد تنسيق ميداني، بل إعادة صياغة لخريطة القوة داخل إثيوبيا “المستنزفة”.
والأهم أن هذا “التحالف السباعي” يحوّل هضبة الحبشة إلى ساحة مفتوحة لتدخلات خارجية و”ترتيبات” إقليمية؛ سيسعى فيها كل “صاحب مصلحة” لتوسيع دائرة نفوذه أو تصفية حسابه مع آبي أحمد المغرور.
في تقريرها الأخير، تقول وكالة ‘رويترز’ إن التحالف الجديد يعكس “عمق الأزمة” التي تواجهها الدولة الإثيوبية، ويضع حكومة آبي أحمد أمام “أخطر تحدٍّ منذ وصوله إلى السلطة” عام 2018.
والمفارقة، أن يأتي هذا الإعلان بعد أسبوع تقريبا من اتهام إريتريا العلني لجارتها اللدود إثيوبيا بـ”زعزعة استقرار المنطقة،” واتهام حزب الازدهار الحاكم بأنه “يستضيف ويموّل جماعات تخريبية ذات أجندة لتغيير النظام في أسمرة”، فضلا عن اتهام صريح ومباشر لأديس أبابا أيضًا بدعم قوات الدعم السريع في الحرب السودانية.
إريتريا، التي كانت شريكًا لآبي أحمد في حرب تيغراي، وكانت سببًا في نيله جائزة نوبل للسلام عام 2019 تقديرًا لجهوده في “تحقيق السلام والتعاون الدولي”، أعادت تموضعها وانحازت للتنسيق مع القاهرة ومقديشو في إطار ثلاثي يركز على أمن البحر الأحمر، خصوصًا بعد خطط تمدد إثيوبيا نحو البحر (عبر صوماليلاند) التي قد تهدد أفضلية موقعها الاستراتيجي في استضافة القواعد العسكرية والتجارية للقوى الدولية الباحثة عن موطئ قدم في القرن الأفريقي.
وفي خلفية المشهد، تقبع مصر التي لم تجدِ دبلوماسيتها القائمة على سياسة “الحلفان” في وقف مشروع سد النهضة أو ثني آبي أحمد عن طموحاته الجيوسياسية التي تعاظمت -بدعم إسرائيلي إماراتي- وتجلت في الاتفاق الذي وقعته إثيوبيا مع “صوماليلاند” الانفصالية للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة، دون تنسيق مسبق مع دول الجوار ودون اعتبار لتوازنات القرن الإفريقي.
في الآونة الأخيرة، ظهرت تسريبات غير موثقة عن “خطط استخباراتية مصرية” بالتنسيق مع دول أخرى للضغط على الحكومة الإثيوبية، وتواترت تحليلات بشأن “استخدام القاهرة أدوات سياسية وأمنية غير مباشرة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بإثيوبيا”. فيقول أحد الباحثين في مقابلة مع “إذاعة فرنسا الدولية” RFI إن مصر “تتحرك ضمن استراتيجية خنق تدريجي لإثيوبيا، تجمع بين الضغط المائي والضغط البحري والضغط الداخلي عبر التحالفات الإقليمية”.
والسودان، رغم حربه الأهلية الدامية التي تبدو بلا أفق، يخشى أن تتحول حدوده مع إثيوبيا، خصوصًا في الفشقة وبنيشنغول، إلى عمق خلفي لبعض الفصائل المسلحة، أو إلى ورقة ضغط إضافية في ملف السد، فضلًا عن شبهات الدعم الأثيوبي العسكري لميليشيا حميدتي. وفي هذا السياق، تصف ‘رويترز’ الحدود السودانية–الإثيوبية بأنها “أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ما يفتح الباب أمام تحركات غير متوقعة”.
أما الإمارات، فتلعب -كعادتها- دورًا مركبًا. إذ تكشف تقارير ‘رويترز’ أن “الجيش الإثيوبي استخدم طائرات مسيّرة تركية الصنع بتمويل إماراتي” في ضربات ضد مواقع المعارضة في أمهرة وتيغراي. وفي الوقت ذاته، تستثمر أبوظبي في شبكة الموانئ الممتدة من عدن إلى بربرة وفي التعاون مع مشاريع “صوماليلاند” الانفتاحية ومخططات إسرائيل المريبة على ساحل البحر الأحمر.
وبناءً على ذلك، يبدو التحالف المسلح الجديد داخل إثيوبيا، في المشهد الأوسع، أكثر من تطور داخلي، وربما أقرب لنقطة تحول في لحظة تاريخية تتضارب فيها المصالح الإقليمية، وتتقاطع الجغرافيا مع السياسة، ومياه النيل مع البحر الأحمر.