رؤي ومقالات

برحايل حمزه يكتب :ريمون آرون والحرب اللامتماثلة: السلام المستحيل يتجدد

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل خطوط المواجهة بين الدول والفاعلين من غير الدول، يعود الفكر الفلسفي والاستراتيجي للمفكر الفرنسي ريمون آرون إلى الواجهة بوصفه مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة الصراعات المعاصرة. فبالرغم من التطور الهائل في أدوات الردع والتكنولوجيا العسكرية، تظل أفكاره حول الحرب والسلام، والتنافس بين القوى، وحدود الحسم العسكري ذات صلة ببيئة دولية لم تعد فيها الحرب مجرد مواجهة مباشرة بين جيوش نظامية.
🔹 تتجلى أبرز ملامح هذا التجدد الاستراتيجي في المشهد الدولي الراهن عبر عدة محاور:
1. تآكل الحدود الكلاسيكية: لم تعد الحروب تقتصر على الجبهات النظامية التقليدية، بل انتقلت إلى بيئات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأدوات العسكرية والسيبرانية والمعلوماتية، وتبرز فيها الحروب اللامتماثلة بوصفها نمطًا يعيد توزيع القوة بعيدًا عن معيار التفوق العسكري التقليدي وحده.
2. مفارقة الردع والسلام الهش: تكشف رؤية آرون للحرب والسياسة الدولية أن امتلاك القوة لا يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الصراع، بل قد يساهم في تنظيمه ضمن حدود معينة. وفي البيئة الاستراتيجية الراهنة، يمكن أن يتحول الردع من وسيلة لتحقيق استقرار دائم إلى آلية لإدارة التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة شاملة؛ أي إلى سلام هش تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه إزالة أسباب التنافس.
3. صعود الفاعلين غير الدولتيين: تستفيد الجماعات المسلحة والشبكات العابرة للحدود والفاعلون الرقميون من التفاوت في القدرات، فتتبنى أساليب تجعل التفوق العسكري التقليدي أقل قدرة على إنتاج حسم سياسي سريع. وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الحرب اللامتماثلة: قد تكون كلفة إضعاف الخصم أقل بكثير من كلفة هزيمته عسكريًا بصورة مباشرة.
إن قراءة آرون اليوم بعين استشرافية لا تمثل مجرد استدعاء أكاديمي لمفكر من القرن العشرين، بل تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين القوة والحرب والسلام داخل نظام دولي تتزايد فيه التهديدات الهجينة والسيبرانية وتتعدد فيه مستويات الصراع. فالتحدي الاستراتيجي المعاصر لم يعد يتمثل فقط في كيفية تحقيق الانتصار العسكري، وإنما في كيفية تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستدامة، وفي فهم صراعات قد تنتهي ميدانيًا دون أن تنتهي سياسيًا.
الخلاصة:
في عالم تتقاطع فيه التهديدات الهجينة مع تآكل الحدود التقليدية للحرب، تظل قراءة آرون مفيدة لفهم حدود القوة وإشكالية الحسم في العلاقات الدولية. فالمعضلة لم تعد في امتلاك أدوات أكثر تدميرًا، بل في القدرة على إدارة صراع تتغير فيه طبيعة الفاعلين، وتتعدد فيه ساحات المواجهة، ويصبح فيه منع التصعيد وإنتاج الاستقرار السياسي أكثر تعقيدًا من مجرد تحقيق التفوق العسكري.
_ سؤال للنقاش:
هل تتغير قواعد الردع في عصر الحروب اللامتماثلة، أم أن الردع التقليدي ما زال قادرًا على التكيف مع صعود فاعلين جدد وتعدد ساحات الصراع؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى