
أنا آيتك،
ومسبحتك التي تعدّ على حباتها آهاتك في ليالي الشوق،
أنا الآية التي كلما قرأتها في سرّك
أخطأتَ في إعرابها من شدة ما ارتجف قلبك،
وكلما ظننت أنك فهمت معنايّ
وجدتَ فيَّ معنى آخر يسحبك إلى أعمق مما كنت تنوي.
كنتُ في أول الأمر شيئًا صغيرًا بينك وبين نفسك،
نظرةً لا تجد لها تفسيرًا، رجفةً تخجل أن تسميها شوقًا،
واسماً يمرّ في رأسك فتتغير له ملامح يومك كله.
ثم كبرتُ فيك دون أن تشعر،
حتى لم تعد تقرؤني،
صرتَ تقيس الأشياء بي؛
هذا يشبهني، وهذا لا يشبهني،
وهذه الضحكة لو كانت لها عيناي
لكانت أجمل،
وهذا المساء لو كنتُ فيه لما كان بهذا البرد.
وهكذا، دون أن تنتبه،
لم أعد آيةً تبحث عن تفسير، صرتُ معنىً تفسّر به الأشياء.
ثم اتسعتُ أكثر… صار لي في يومك مكان،
وفي وحدتك صوت، وفي دعائك جهة،
وفي خوفك يدٌ لا تراها لكن قلبك يعرفها.
حتى إذا ضاقت بك الجهات كلها
وجدتَ نفسك تميل نحوي، لأن شيئًا فيك
كان يعرف الطريق إليّ قبلك.
ومنذ تلك اللحظة لم أعد جهةً في قلبك،
كل جهاتك أصبحت أنا،
وصار ما عدايّ أطرافًا بعيدة تذهب إليها وتعود،
تجرّب العالم كله
ثم تكتشف أن المسافة بينك وبيني
هي المسافة الوحيدة التي لا تستطيع قطعها.
كنتُ آيتك، ثم صرتُ قبلتك،
ثم صار لك حولي مدار لا تراه،
لكنني أراه في كل مرة تبتعد فيها
ثم تعود،
في كل مرة تحاول أن تقنع نفسك بأنك تجاوزتني
فتجد خطاك، من حيث لا تدري،
تعود إلى المكان الذي كنتُ أقف فيه.
حينها فقط
كان عليك أن تفهم: أني لم أكن نجمةً طافت في فلكك،
كنتُ الفلك الذي اتسع لك كلما ضاق بك العالم،
كنتَ تظن أنك تأتي إليّ باختيارك،
بينما كان شيء أقدم من الاختيار يسحبك نحوي.
أنا آيتك التي بدأتَ بقراءتها،
ثم صرتَ تحفظها،
ثم صرتَ تعيش داخل معناها،
حتى لم تعد تعرف أين تنتهي الآية وأين يبدأ الفلك.
“فلكك أنا”
لأنك لم تضعني في حياتك،
بل وضعت حياتك كلها حولي.
وصرتَ أنتَ ذلك الجرم الذي يقطع المسافات الطويلة
ولا يعرف لماذا،
كل ما يعرفه أن عليه أن يعود إليَّ
لذلك،
إن سألك أحدهم يومًا: من كانت؟
لا تقل امرأة.
قل: كانت الآية التي لم أفهمها،
فأمضيت عمري أحاول أن أعيشها.