
غضب المثقفون “الثوريون” عندما صدر كتاب: ” نهاية الداعية:: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين” للبروفسور ودكتوراة فلسفة المغربي عبد الإله بلقزيز أواخر القرن العشرين عن حال المثقفين العرب ودورهم التبشيري الرسالي كملاك وحيدين للحقيقة والتاريخ والمستقبل والشرف والصواب، وغيرهم نقص وعوز وانحراف وأعداء، لأن آلهة الأحزاب هي الكمال المطلق في مواجهة عامة الناس النقص المطلق، وهذه الغطرسة انتهت بخراب الاوطان بلا اعتراف او اعتذار كما لو انها من صنع اشباح.
عندما تصبح رواية التاريخ من صنع مختلين عقليا ونصابين يتحول التاريخ الى اداة تلاعب وتزوير وتصنع الاساطير والبطولات المتخيلة كما حاول أحد هؤلاء وضع كتابين مدرسيين من كتب الشعارات والقصص الساذجة بلغة انشائية” الأنصارية” وقد عجز الدكتور العراقي اليهودي جاكي عبود اشهر اطباء النفس في العراق في علاج انحرافه المرضي كسيكوباتي في السبعينات الذي رافقه حتى النهاية لكن تمت التغطية عليه بالسياسة ولانه في محيط مشابه كغراب بين حقل الغربان.
من عادة الدكتور جاكي عبود الداهية ان يرسل بعض مرضاه حسب وعيهم الى مكان معين للعلاج: بعضهم الى الأضرحة في حين اقترح على صاحبنا التمثيل في مسرح ــــــــــــــــــ وهكذا كان ـــــــــــــــ لأن السيكودراما Psychodrama علاج يعتمد على تمثيل الادوار المرضية للتعافي من المرض من ناحية ومن ناحية أخرى يستطيع أن يمثل على المسرح كما يمثل في الواقع ويصعب اكتشافه وهذا ما حصل.
تقديرا لجاكي عبود يقع شارع يحمل اسمه في بغداد وتحديداً في منطقة كمب سارة على الطريق المؤدي إلى معسكر الرشيد وقد” تحولت المنطقة المحيطة إلى منطقة صناعية وكراجات لتصليح المعدات الثقيلة.” وكانت تضم عيادته الشهيرة كما تغيرت الأمكنة والناس.
عندما يتبنى المريض النفسي المنحرف قضية يتحول المرض الى عقيدة. من يسيطر على الذاكرة يسيطر على الناس وعلى السلطة. الصراع حول الذاكرة وهو صراع سياسي وكذلك من يسيطر على الارشيف يتحكم به كما يشاء لان ارشيف السلطة مكيف وانتقائي ومزيف .
حتى صدام حسين بدأ كتابة القصص القصيرة في الستينات واوائل السبعينات تم اتلافها من الارشيف لكي لا يعرف احد عالمه السري وطريقة تفكيره. اختفت السيكوباتية والنرجسية الخفية وظهرت لنا بصورة فكرة قومية ثورية لكنها بطبيعتها الاصلية حولت المجتمع الى مستشفى حتى اليوم.
طلب عبد الاله بلقزز من هؤلاء الانصراف والكف عن الاوهام بعد ان بارت البضاعة، فلا أحد يحتاجهم اليوم:
الدولة العربية أفلست وتغولت ولم تعد بحاجة الى مثقف يسوغ برامجها لأنها بلا برامج، وهي لا تحتاج المثقف بل الجنرال والشرطي وحلفاء الخارج.
ولا الحزب المعارض يحتاج المثقف لتسويغ المشروع لافلاس المشروع نفسه،
وانهيار الحكايات الكبيرة المفسرة لكل شيء،
ولم يعد الحزب يحتاج للمثقف بل للمول، ولو كان من العدو السابق أو شيخ خليجي كان يشنع عليه كرجعي، أو حتى محتل،
ففكرة العدو الطبقي التي ذبحوا فيها اجيالا ودفعوها للموت في السجون تحت الاحذية بلا مشروع ثورة،
يقولون اليوم انها فكرة وهمية متخيلة بلا أساس، لذلك تحول المحتل الى صديق والرجعي الى حليف، والاقطاعي الى رفيق درب بل ذهب بعض هؤلاء الى الشيوخ للحصول على وثيقة انتماء للعشيرة بعد أن مزق بطاقة الانتماء للحزب وهو لا يعرف انه مخلوق مفرغ من العقل وان الانتماءين واحد ــــ لأن الحزب نفسه قبيلة محورة عقليا بل تتفوق بعض القبائل على هذه الاحزاب بقيم اخلاقية نزيهة وعفة لسان ـــــ وهو يبحث عن هوية لذات ملقنة مخربة يستحيل اصلاحها بعد كل التجارب والكوارث والسنوات.
لذلك لجأت شريحة من هؤلاء الى الأدب لكنها حملت معها كل عاهات ولغة السياسة من تجريم وتخوين واقصاء وحذف كما في يوميات مريض جاكي عبود الانصارية ومن الغريب في هذه” اليوميات” إن ” أبطالها” اعترفوا في السجون على رفاقهم ثم خرجوا لمواصلة” النضال” : كانت دفاعاً عن النفس وتبريره لانهياره في السجن بطريقة التفافية لا دفاعا عن هؤلاء. من سوء حظ هؤلاء اننا كنا شهوداً على الأحداث من منطقة تفكير مختلفة وخارج القطيع.
لعلها مفارقة مثيرة للسخرية ان يتحول المبشر السياسي المتنكر لماضيه الى داعية جديدة للادب لكن بلغة السياسة: بمعنى أوضح داعياً للحقيقة وفي الوقت نفسه أول من يغتالها لأن الحقيقة عنده رؤية ذاتية وليست حقائق موضوعية.
بعض هؤلاء” الدعاة” صار يكتب تحت عنوان صحافي أو شاعر أو روائي أو ناقد أمام جمهور غير متخصص، لكن القارئ المحترف يعرف ان خلف هذه العناوين التي لا جذور ولا مدارس ولا تجارب لها،
سياسي خطيب بشوارب غليظة ثورية لم تعد تصلح حتى لمسابقات القطط.
أليست هذه هي نهايات الاحزاب الثورية عندما يقودها أميون وسطحيون بلا قراءة للواقع ولا المستقبل؟ كيف انتهى هؤلاء” المثقفون الدعاة” أصحاب المشاريع الضخمة الطنانة التي إنتهت بحمامات دم ومجازر؟
أين الخطاب الثوري الذي كان يقدس أوهام الناس من أجل الكسب الحزبي وليس نقدها؟
أين ذهب مالك الحقيقة والتاريخ والشرف، ومعيار الاخلاق واللاأخلاق كشيخ منبر وهابي بقبعة وحليق الشاربين ومفسر اللامفسر ومن يشم الخطر على مبعدة أميال، لكنه لم يشم الخطر وهو ينخر في روحه عندما تحول
الى ببغاء يُلقّن كل مرة على لغة وحكاية جديدة؟
هؤلاء وجدوا أنفسهم في زمن صعب يختلف عن أزمنة ما قبل نهاية القرن العشرين: دخل منافسون جدد الساحة من علماء وأطباء وخبراء أجناس ونجوم وطقس وعلم نفس وفضاء،
ولم تعد اللغة السياسية السطحية التي كانوا يفسرون بها كل ظاهرة
طبيعية واجتماعية ونفسية وكونية، لم تعد مقنعة بل مضحكة. دخل العالم عصر الثقافة التي تهطل من الفضاء عبر الاقمار الصناعية وليس من افتتاحيات الصحف والتوجيهات الحزبية وحملات الردح.
كما ان زمن الايديولوجيا المفسرة كل شيء انتهى، ودخلنا عصر الثقافة والفنون والآداب وعصر المعلومات وصفحات التواصل والتنوع وليس زمن المنشور والافتتاحية والتوجيه والتلقين وانتهى الاحتكار الاعلامي وصار في وسع اي شخص فتح قناة تلفازية وراديو وصحيفة من غرفة النوم وقول ما يريد:
يخبرني برنامج” رؤى” الخاص بالكاتب في ادارة الفيس بوك ان عدد من يدخل الصفحة كمعلق ومتصفح كل شهر حوالي 3 ملايين أو نصف مليون أحياناً.
نحن في زمن الاسئلة الكبرى والفضاء المفتوح بلا وصاية المثقف الداعية ــــ وصف مثقف اضطراري هنا ــــ لأن التفكير من اختصاص القائد الملهم أو السكرتير العام ومن حوله من الحواشي،
وهذا “المثقف” المنقرض الدوغمائي نفسه تخلى عنه حزبه، لأنه لم يعد حزباً بل أقرب الى الشركة، يحتاج الى شركاء ومساهمين وممولين أكثر من حاجته الى مثقفين وكتاب.
تروي لي سيدة بين وقت وأخر اعرف أسرتها من العراق وكنت قريباً جداً من اخوتها ــــــــ بعد موتهم المبكر واعدام الثالث ــــــــــــــــــــ كيف ان المسؤول الحزبي اليوم بعد السقوط للمنظمة هو نفسه من وشى بالعائلة كما أثبتت وثائق الأمن التي عثروا عليها وقد تم ابلاغ الحزب بالقضية بالوثائق ولكنه لم يهتم. قبل سنوات من سقوط النظام وانكشاف الوثائق الأمنية كنت قد حذرت العائلة منه وكان من الصعب جداً تصديق أن وجه القديس الحي الخجول هو قناع.
وبما انني ملدوغ سابقاً من هذه النماذج المتطرفة بالمظهر الطهراني الزائف وقرأت جيداً قصة” ليلى والذئب : ذات الرداء الأحمر” عن الذئب الذي ارتدى ملابس جدتها بعد اكلها في كوخ في الغابة وحاول التظاهر انه جدة ليلى، فكنت أشم رائحة خطر هؤلاء بكل حواسي رغم المظهر الممسرح لهم.
أمام كتاب الرواية مهمة شاقة جدا في رفض الشخصيات النمطية والاعتراف بالانسان كسطح بل كتلة تناقضات مخيفة وشخصيات متعددة. ومتناقضة وانهيار المعايير والتعريفات القديمة.
المثقف في الوصف الحقيقي منتج معرفة جديدة ومحرض على التغيير ومتمرد على القوالب وصاحب لغة جديدة ولا يرهن نفسه بقبول او غضب الجمهور لان الولاء الوحيد للحقيقة ولا يكتب تحت مصالح وحاجات بل تحت الحاح ضميره ودوره كصورة مستقبل. الحقيقة لا تخضع لمنطق الاغلبية والاقلية لان الحقيقة دائما اغلبية كما يخبرنا التاريخ: كان المسيحيون إثني عشر، وكان الماركسيون إثنين ، بتعبير كامو.
أين صار مصير هؤلاء الدعاة ؟ أين ذهب المثقف الداعية في نهاية أدواره؟
هؤلاء انتهوا نهايات مختلفة لكنها جميعاً نهايات تراجيديةاختلطت فيها المأساة بالسخرية أحياناً، كما لو أننا في ملحمة شكسبيرية أو مشهد كربلائي فاجع.
فريق من هؤلاء دعاة الثورة والتغيير الجذري صاروا أجراء في قناة شيخ خليجي يغدق عليهم أو في صحيفته. فريق آخر من هؤلاء بحث عن ممول وقلب القاموس الثوري على البطانة كالمعطف وتخلص منه لانه لم يجن منه غير السجن والمنفى او الافلاس وسجائر المزبن، وظهر بطبعة جديدة عن المثقف الاستراتيجي خبير في الانفجارات والعبوات واسعار البورصة والبصل وفي كل شيء. كل شيء لكنه لا يتحدث عن المستقبل لانه زمن ملغي في عقل هؤلاء. تمت اجراء جراحة مبكرة لعقل هؤلاء في ان التفكير من اختصاص” القيادة الثورية” وهم رؤوس أو أدوات تسجيل بلا أدمغة.
لكن فريقا من هؤلاء تحول الى حكواتي يروي لنا قصصا لا تسلي الصغار اوقات النوم عن موهبة الهروب وتحمل الصفعات والاختباء في جحر حتى سقوط النظام يوم كان شعبا كاملا ينزف اكثر من 33 سنة من الحصار والخوف والسجون والحروب ثم عاد هذا الداعية لكي يحصل على راتب خدمة نضالية لجمع الحطب وكتابة النشرات المدرسية وصيد القبج وأحلام اليقظة، وكما خرب لغة السياسة لأنه ببغاء ملقن، خرب لغة الأدب.
فريق اخر منعته كرامته من الانحدار وصار يعاشر صور الالبوم القديم عن أيام” النضال” والرفسات، والفلقة وعبور الحيطان والتسلل والاختباء في التنانير ولم يترك أحدهم إنجازا ثقافيا أو أدبيا أو فكريا يتسم بالعمق والجدية غير مذكرات سطحية تافهة على طريقة مريض جاكي عبود الذي حول السيكوباتية الى حكايات نضالية، وهموم لا قيمة لها أمام هموم شعب عاش تحت مقصلة لعشرات الأعوام ولا يزال بصمت.
لكن أخطر هؤلاء شريحة ” لجأت” الى الأدب ، وكما قال البروفسور بلقزيز:
” هؤلاء اللاجئون الى الأدب، كما شوهوا لغة السياسة من قبل، شوهوا لغة الأدب رغم القشرة الباهتة تحت شعار النقد وعند رفع القشرة تجد لغة السب والشتم تتداخل فيها تداخل انياب الكلب”،
مع أن الأدب حقل الجمال والصفاء والمتعة، لكنه تحول على يد هؤلاء الى حقل احتراب ونقلوا لغة السياسة كتجريم وكراهيات الى لغة الأدب، لكنهم كما فشلوا هناك، فشلوا هنا، لأن الأدب والكراهية أمران متناقضان. الادب فن الاعماق الصافية.
أما قصة الدور الرسالي الذي كلف نفسه به كحامل مفاتيح الماضي والحاضر والمستقبل، فهو دور وهمي وانتهى، كما تنتهى كل الأشياء بعد الاستعمال. لم يعد الجمهور يحتاجه لان مصادره اليوم لا نهاية لها وليس مستعدا لسماع ببغاء في قفص فشل كدور ولغة وحتى فشل في التعرف على نفسه بعد كل تجارب هزت العالم وظل هو كقبر تنزلق فوقه غيوم.
فريق من هؤلاء ما زال يكابر ويعاند ويحلم ويرفض الاستسلام واخترع قصة وهمية ساخرة جديدة لتنظيف التابوت المغبر والمسامير الصدئة وصار يتحدث عن مجتمع لا يعرفه وتاريخ بعيد عنه واحتمالات اسطورية بل نسب لنفسه الرصانة بعد أن شنع وهتك في فضاء عام على كل من اختلف معه وصار واعظا وداعية أخلاقية على طريقة بعض ممثلات التعرية بعد الحج ونسيان زمن التعري في مجتمعات محافظة.
فريق من هؤلاء أخرج لنفسه قصة إضطهاد وهمية للحزب، وفي الحقيقة ومن خلال لسانه ومنطقه وقاموسه الهزيل، نعثر على شخص محبط ومنهار ليس لديه قدرة الخلاف حتى مع نفسه،
لم يعد يحتاجه الحزب في مشروع ثورة، ولم تعد هناك أصلاً ثورة ولا بطيخ.
آن الأوان لهؤلاء المهرجين أن يختفوا: فشل أدوار وفشل مشاريع وفشل لغة،
والشعوب تحتاج الى المثقف النقدي أكثر من حاجتها الى ببغاء ملقن في قفص وداعية يهدد الناس بالويل والثبور، لكن جمهور اليوم غيره بالأمس.
ظهرت شريحة من كتاب نجباء وكاتبات وأصحاب ضمائر يحاولون في هذه المتاهة والدوامة البحث عن مخرج في نفق مظلم ولو بالحفر بالأظافر،
وترك الداعية وحده يتفلسف في شارع خال من المارة مثل كلب يعوي على قمر بعيد.
ـــــــــــــــ قريباً رواية جديدة لنا” حارس الذاكرة”