تقارير وتحقيقات

بلومبيرج :هل تملك الصين مفتاح التسوية في الخليج؟

في مقال لافت نشرته Bloomberg Opinion في 21 سبتمبر/أيلول بعنوان «لقد حانت لحظة الصين في الشرق الأوسط»، يجادل الاقتصاديان سايمون جونسون وأمير كرماني بأن الحرب مع إيران منحت بكين فرصة استثنائية للاضطلاع بدور محوري في الوصول إلى تسوية بين واشنطن وطهران.
جونسون أستاذ في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، بينما يشغل كرماني منصب أستاذ المالية في كلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
الفكرة الأساسية في المقال تستحق الاهتمام: الصين أصبحت تملك مصلحة اقتصادية وجيوسياسية متزايدة في إنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه تملك أدوات لا يملكها كثير من الأطراف الأخرى للتأثير في طهران.
لكن هنا تحديداً تبدأ نقطة الخلاف.
فامتلاك الصين دوافع قوية لإنهاء الحرب لا يعني تلقائياً امتلاكها القدرة على فرض تسوية مستدامة.
لماذا تريد الصين إنهاء الحرب؟
يطرح المقال ثلاثة دوافع رئيسية تدفع بكين للتحرك.
أولاً، استمرار الحرب يهدد نموذج النمو الصيني من خلال زيادة تكاليف الطاقة والتجارة وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
ثانياً، الصين، رغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية كبيرة وتسارع تحولها نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، لا تستطيع امتصاص صدمة نفطية ممتدة إلى ما لا نهاية.
وثالثاً، دول المنطقة بدأت تنظر إلى بكين باعتبارها طرفاً يستطيع استخدام علاقته بطهران للمساعدة في احتواء الأزمة، وهو ما يفتح أمام الصين مساحة دبلوماسية أكبر.
وهذه النقطة الأخيرة ليست نظرية بالكامل. فالصين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وقد اشترت أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون وفق بيانات 2025 التي أوردتها رويترز، كما أن بكين تمتلك علاقات اقتصادية وسياسية عميقة مع طهران. وفي سبتمبر/أيلول، نقلت رويترز أيضاً أن الصين ضغطت على إيران لاستخدام نفوذها لكبح هجمات الحوثيين وحماية طرق التجارة والطاقة في المنطقة.
لكن المشكلة أن أول سببين ليسا صينيين بالدرجة التي قد يوحي بها المقال.
الهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة تواجه الصدمة نفسها، وإن بدرجات مختلفة، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يضغط على الصين وحدها، بل على الاقتصاد العالمي كله.
وحتى الولايات المتحدة نفسها تدفع الثمن.
فمتوسط سعر البنزين الأميركي وصل مؤخراً إلى نحو 4.44 دولارات للغالون، بينما بلغ الديزل مستوى قياسياً عند نحو 6.40 دولارات، مع انتقال آثار ارتفاع الوقود إلى تكاليف النقل والسلع والخدمات.
إذن، الحرب خلقت مصلحة دولية واسعة في الوصول إلى مخرج، وليس مصلحة صينية فقط.
ما يميز بكين فعلاً هو شيء آخر: حجم اقتصادها، وعلاقتها التجارية بطهران، وموقعها كمشترٍ رئيسي للنفط الإيراني، وقدرتها على تقديم استثمارات وحوافز اقتصادية يمكن أن تجعل مكاسب التسوية أكثر جاذبية لإيران.
وهنا تكمن قوة حجة بلومبرغ.
لكن النفوذ الاقتصادي ليس بالضرورة نفوذاً سياسياً مطلقاً.
الصين تتحرك لبناء دور أكبر
الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى تحركات شي جين بينغ الأخيرة.
في قمة بريكس في نيودلهي يوم 12 سبتمبر/أيلول، دعا شي إلى دور أكثر نشاطاً للصين ودول بريكس في إنهاء الحرب مع إيران، وطالب بوقف إطلاق نار دائم وشامل وبناء هيكل أمني إقليمي جديد. وقبل ذلك بعشرة أيام، كان قد طرح في القاهرة أربعة مبادئ لبناء هذا الهيكل، تقوم على تعزيز الدور الإقليمي في الأمن، ومعالجة الأزمات بصورة شاملة، وربط الأمن بالتنمية، وتعزيز التنسيق الدولي.
وهذا ليس مجرد خطاب سياسي عابر.
فبكين تحاول منذ سنوات تحويل ثقلها الاقتصادي في الشرق الأوسط إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي، من دون أن تتحمل بالضرورة تكلفة لعب الدور العسكري الذي تحملته الولايات المتحدة لعقود.
والحرب الحالية تمنحها فرصة أكبر لتوسيع هذا الدور.
الصين تريد شرق أوسط أكثر استقراراً، ليس فقط لأسباب سياسية، وإنما لأن استقرار الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر يعني استقرار الطاقة والتجارة العالمية، وهي مصالح صينية مباشرة.
كما أن طهران نفسها تبدو مهتمة بالحفاظ على الشراكة مع بكين. وخلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين في سبتمبر/أيلول، وصف المشاورات بأنها ناجحة، وقال إن القرارات المتخذة في تلك المرحلة يمكن أن تؤثر في التوازنات الاستراتيجية المستقبلية للمنطقة.
لكن التسوية أكبر من الصين
وهنا تحديداً أختلف مع القفزة التي يقوم بها طرح بلومبرغ.
المشكلة ليست في إقناع إيران وحدها.
أي اتفاق مستدام يحتاج إلى تفاهمات بين واشنطن وطهران، وترتيبات أمنية إقليمية، وموقف مقبول من دول الخليج، ومعالجة ملفات تتعلق بالبرنامج النووي والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
أي أن الصين تستطيع التأثير في جزء من المعادلة، لكنها لا تملك المعادلة كلها.
وحتى لو استطاعت بكين إقناع طهران بتقديم تنازلات، يبقى السؤال الأصعب:
ما الذي تستطيع الصين أن تقدمه لإيران في المقابل كضمانة بأن واشنطن لن تتراجع لاحقاً عن التزاماتها؟
هذه ليست مشكلة صغيرة.
في 26 فبراير/شباط، كانت الولايات المتحدة وإيران قد أنهتا جولة من المفاوضات النووية في جنيف بوساطة عُمانية، وأعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي عن إحراز «تقدم كبير»، مع الاتفاق على استكمال المباحثات الفنية في فيينا.
وبعد يومين فقط، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، قُتل خلاله المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين.
وبغض النظر عن تقييم المسؤولية السياسية عن انهيار المسار التفاوضي، فإن تسلسل الأحداث نفسه يوضح حجم أزمة الثقة التي ستواجه أي اتفاق جديد.
إيران لا تحتاج فقط إلى طرف يقنعها بالتنازل؛ تحتاج إلى سبب يجعلها تصدق أن التنازل لن يتحول لاحقاً إلى نقطة ضعف ضدها.
وهنا تظهر حدود الدور الصيني.
بكين تستطيع شراء النفط الإيراني، وتقديم الاستثمارات، وتمويل مشاريع، وتخفيف بعض آثار العقوبات، والمساعدة في جعل السلام أكثر جاذبية اقتصادياً.
لكنها لا تستطيع أن تلزم رئيساً أميركياً مستقبلياً باتفاق، ولا تستطيع أن تضمن أن الكونغرس لن يعيد فرض العقوبات، ولا تستطيع وحدها توفير مظلة أمنية تمنع عودة المواجهة.
إذن… أين تكمن لحظة الصين؟
المقال محق في نقطة مهمة: الصين لم تعد مجرد متفرج على أزمة الشرق الأوسط.
لديها الآن مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب، وعلاقة اقتصادية مع إيران، ونفوذ لدى طهران، وعلاقات متنامية مع دول الخليج، ومشروع واضح لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي حول التنمية والتجارة والاستقرار.
لكن تحويل هذه الأدوات إلى تسوية مستدامة شيء آخر تماماً.
الصين قد تكون وسيطاً مهماً، وميسّراً للمفاوضات، وضامناً اقتصادياً لبعض مكاسب الاتفاق، وربما طرفاً رئيسياً في إعادة تشكيل الترتيبات الإقليمية.
لكنها لا تستطيع وحدها حل أزمة الثقة بين واشنطن وطهران، ولا تحديد ما ستقدمه الولايات المتحدة، ولا فرض قبول دول الخليج وإسرائيل بالترتيبات الناتجة.
لذلك ربما تكون «لحظة الصين في الشرق الأوسط» قد حانت فعلاً…
لكن هذا لا يعني أن مفتاح التسوية موجود في بكين وحدها.
المفتاح الحقيقي سيظل موزعاً بين واشنطن وطهران والعواصم الخليجية، بينما تستطيع الصين أن تمتلك بعض الأقفال… وبعض الأدوات التي تساعد في فتحها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى