بين “وعد الإبادة” و”الصفقة التاريخية”: كيف تحوّل الملف الإيراني إلى مادة سخرية عالمية من ترمب وإلى بؤرة تصدّع في الجبهة الجمهورية؟

كتب:هاني الكنيسي
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الثلاثاء، وقف الرئيس الأمريكي أمام نحو 130 من قادة العالم، ليعلن أنه بصدد “قرار كبير” بشأن إيران: إما التوصل إلى اتفاق يتيح لها “إعادة البناء وأن تصبح دولة أعظم بكثير مما كانت عليه”، أو أن يُقدم على “إبادة الجمهورية الإسلامية” وسوقها “إلى الجحيم دون أي فرصة للبقاء” على حد تعبيره.
وبعدها بسويعات، توقع ترمب إبرام “صفقة تاريخية” وشيكة مع إيران بعد انتخابات الثالث من نوفمبر المقبلة، قائلًا إن الإيرانيين “ينتظرون ليروا كيف سيكون أدائي في الانتخابات النصفية”.
هذا التأرجح بين إنذارات الفناء الكامل وتبشيرات الصفقة الوشيكة، لم يكن إلا امتدادًا لنمط متكرر طبع سياسة ترمب منذ شن الحرب الأمريكية على إيران نهاية فبراير الماضي، والذي رصدته الصحافة الغربية في ثماني مناسبات كبرى على الأقل خلال سبعة أشهر (بدايةً من 15 مارس حين طالب ترمب حلف الناتو والصين بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، ثم زعم في 23 مارس أن إيران توسلت إليه لعقد صفقة، وهو ما نفته طهران رسميًا، وفي اليوم التالي مباشرة، عاد ليزعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل “انتصرتا” في الحرب رغم استمرار الصواريخ الإيرانية، قبل أن ينقلب مجددًا أواخر مارس إلى التهديد المباشر بتدمير البنية التحتية الإيرانية إن لم تُبرم صفقة).
وهذا التذبذب أو التناقض السفيه في التصريحات الترمبية بشأن إيران، هو أيضا ما دفع صحيفة ‘التليغراف’ إلى اختيار عنوان صارخ مثل: Trump is making a fool of himself over Iran أو “ترمب يجعل نفسه أضحوكة في ملف إيران”، لمقال طويل منشور في صدر صفحاتها اليوم، يتناول بالتحليل كيف خلق البرتقالي صورة “مرتبكة ومهزوزة” لرئيس القوة العظمى في عيون العالم.
فيستهل الكاتب ‘كون كوفلين’ Con Coughlin (أحد أبرز الصحافيين البريطانيين المتخصصين في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية) مقاله بعبارة “الرئيس الأمريكي يهدد بإبادة إيران في الصباح، ثم يتحدث عن صفقة محتملة في المساء”. ثم يربط هذا السلوك بغياب رؤية سياسية واضحة، وبميل ترمب إلى التعامل مع إيران كملف “إعلامي” أكثر منه ملفًا استراتيجيًا، معتبرًا أن هذا الأسلوب “يربك الحلفاء ويضعف قدرة واشنطن على بناء موقف دولي موحد في لحظة تاريخية بالغة التعقيد”.
وهذا السياق بالذات هو ما يمنح تقرير موقع ‘أكسيوس’ Axios الأخير حول “الجمهوريين الذين يبتعدون عن ترمب في ملفات السياسة الخارجية” دلالة خاصة، تتجاوز حدود ملف إيران.
فوفق التقرير، أعلنت “قيادات جمهورية بارزة” صراحة أنها لم تعد قادرة على دعم نهج الرئيس في الملفات الدولية، خصوصًا في الشرق الأوسط، إذ يرى بعضها أن التناقض في تصريحات ترمب بشأن إيران يعرّض الولايات المتحدة لمخاطر غير محسوبة، ويخلق حالة من الارتباك داخل المؤسسات الأمنية والدبلوماسية، ويضع الحزب الجمهوري في موقف دفاعي أمام الرأي العام الأمريكي والدولي.
ولا يوصّف تقرير ‘أكسيوس’ هذا الابتعاد أو “التصدّع” في قمة الهرم الجمهوري باعتباره مجرد اختلاف في الأسلوب، بل تعبيرًا عن” قلق حقيقي وعميق” من أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت تُدار (تحت ترمب) وفق “مزاج لحظي” لا وفق استراتيجية واضحة.
فينقل الموقع الإخباري الأمريكي عن مسؤولين جمهوريين قولهم إنهم يريدون “فصل الحزب عن مغامرات الرئيس الخارجية” – وهي عبارة تكشف حجم الشرخ داخل المؤسسة التقليدية للحزب.
ومن أبرز الأصوات الجمهورية ضمن هذا التيار الغاضب، السيناتور ‘ميت رومني’ الذي انتقد مرارًا أسلوب ترمب في إدارة الملفات الدولية، خصوصًا إيران وروسيا، مشيرًا إلى أن الحزب “يحتاج إلى العودة إلى نهج أكثر اتزانًا”.
وكذلك السيناتور ‘توم كوتون’، أحد أبرز صقور الحزب الجمهوري، الذي عبّر عن رفضه لتقلبات ترمب في ملف إيران، معتبرًا أن “الرسائل المتناقضة تضرّ بالمصداقية الأميركية”.
أما زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ‘ميتش ماكونيل’، فلم يهاجم الرئيس مباشرة، لكنه قال إن “السياسة الخارجية تحتاج إلى ثبات” – وهي عبارة فسّرها تقرير ‘أكسيوس’ بأنها “انتقاد مبطّن” لنهج ترمب.
وأخيرًا السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة ‘نيكي هايلي’ )المعروفة بميولها الصهيونية)، التي عبّرت عن رغبتها في “نهج جمهوري مستقل في السياسة الخارجية”، وأشارت بوضوح في أكثر من مقابلة إلى رغبتها في فصل الحزب عن أسلوب ترمب.
هذه الأسماء الأربعة تمثل ما يُعرف بالمؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية الجمهورية Republican Foreign Policy Establishment، التي تصطدم اليوم علنًا مع “تقلبات” ترمب في ملفات إيران والصين وأوروبا على حد سواء.
وحين تُقرأ كلمات ترمب الأخيرة في نيويورك، بتناقضها العبثي بين “الإبادة” و”الصفقة القريبة”، إلى جانب سجل طويل من تصريحاته المتضاربة الممتد من يونيو 2025 حتى سبتمبر 2026، جنبًا إلى جنب مع تقريري ‘التلغراف’ البريطانية و’أكسيوس’ الأمريكي، تتجلّى ملامح صورة أزمة أمريكية أعمق.
فالمؤسسة الجمهورية التقليدية، التي طالما تبنّت سياسة خارجية تقوم على الردع المنضبط والتحالفات المستقرة، تجد نفسها اليوم أمام رئيس يفضّل “التصعيد الإعلامي” على التخطيط الاستراتيجي، ويستخدم ملفات حساسة مثل مضيق هرمز والوجود العسكري في المنطقة كأوراق ضغط داخلية أكثر من كونها جزءًا من رؤية متماسكة.
والأخطر، أن هذا الانقسام المتزامن مع تراجع شعبية الرئيس والحزب في استطلاعات ما قبل الانتخابات النصفية، يعكس -بحسب عديد المراقبين- “أزمة قيادة” أكثر مما يعكس خلاف على سياسة، ويكشف أن الانقسام داخل الحزب الجمهوري لم يعد مجرد اختلاف في التكتيك، بل أصبح خلافًا حول تعريف الدور الأمريكي نفسه، في مفترق طرق داخلي وخارجي. ولعل أفضل تعبير عن ذلك ما قاله اليوم ‘بيتر لوج’ أستاذ الاتصال السياسي بجامعة جورج واشنطن، إنّ ترمب الذي تتآكل شعبيته أصبح بمثابة “قيد وسلسلة لمعظم المرشحين الجمهوريين”.