كيف دمرت إسرائيل المفاعل النووي السوري بمغامرة استخباراتية وخدعة للأسد؟ في رواية أولمرت

كتب:هاني الكنيسي
قبل أن تُرسل إسرائيل طائراتها إلى موقع “الكُبر” في دير الزور سبتمبر 2007، كانت قد أمضت شهوراً في معركة خداع هدفها الأساسي ألا يعرف بشار الأسد أن إسرائيل تعرف.
الجديد الذي يكشفه رئيس الوزراء الأسبق ‘إيهود أولمرت’ ليس فقط كيف عثرت إسرائيل على المفاعل النووي السوري (السري)، وإنما خبايا عملية استخباراتية معقدة بدأت بضابطة شابة في الموساد، مرورا بمغامرة مع رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، وصولاً إلى قرار سياسي بأولوية ضرب المفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب موارد مخصصة لاستعادة الجندي الأسير لدى حماس ‘جلعاد شاليط’.
شهادة ‘أولمرت’ الأخيرة تأتي في سياق الترويج لكتابه الجديد “أريزونا كلنا”Arizona Kulanu، الذي لا يكتفي بسرد تفاصيل عملية تدمير المفاعل السوري وما سبقها من تحضيرات ومغامرات “استخباراتية”، بل يكشف أيضا تفاصيل عن مطاردة قيادي حزب الله البارز عماد مغنية في سوريا، واغتيال الضابط محمد سليمان المقرب من بشار الأسد وساعده الأيمن في المشروع النووي السوري.
في المقابلة التي أجراها معه الصحافي ‘أميت سيغال’ عبر برنامج “حالة الاستماع”، يقول ‘أولمرت’ إن قصة المفاعل السوري لم تبدأ في دير الزور، بل في ليبيا حيث اكتشفت الولايات المتحدة عام 2003، برنامجاً نووياً سرياً كانت طرابلس تعمل على تطويره بمساعدة باكستانية، وانتهى الأمر بإجبار القذافي على التخلي عنه.
ويصف ‘أولمرت’ ذلك بأنه كان “أكبر فشل استخباراتي في تاريخ إسرائيل”، من منطلق أنه “من المستحيل على دولة مستهدفة، أقرب إلينا من إيران، أن تطور برنامجاً نووياً بهذا الحجم ونحن لا نعلم شيئاً”.
بعد ذلك، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ‘أريئيل شارون’ تعليمات بمراقبة أي مؤشرات على نشاط نووي سري في أي مكان آخر، ومن هنا بدأت الشكوك بشأن سوريا.
لكن الشرارة الأولى، وفق رواية ‘أولمرت’، لم تأتِ إلا من ضابطة شابة في الموساد تُعرف باسم “أنات” Anat لم تقتنع بتقارير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي خلصت وقتها إلى أنه لا يوجد برنامج نووي عسكري سوري، فواصلت جمع القرائن وربطها ببعضها رغم اعتراض رؤسائها.
لكنها استطاعت في النهاية إقناع رئيس الموساد آنذاك ‘مائير داغان’ بتحويل شكوكها إلى قضية استخباراتية تستحق الفحص.
وتتفق هذه النقطة مع الرواية التي نشرها الجيش الإسرائيلي لاحقاً عن العملية، والتي توضح أن أول مؤشرات جدية ظهرت في نهاية 2004، بينما لم يحدث تحول جدي في الاشتباه بوجود منشأة نووية سرية في سوريا إلا في يناير 2006، قبل تحديد المنشأة نفسها في أبريل من العام ذاته.
وهنا يظهر اسم إبراهيم عثمان رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، الذي يذكر ‘أولمرت’ في كتابه، أن إسرائيل أعدت -في مرحلة ما- خطة لاختطافه إذا اندلعت حرب مع سوريا، بهدف إجباره على الاعتراف بوجود المفاعل وتسجيل اعتراف يمكن عرضه على العالم.
لكن الخطة تغيرت على يد ‘يوسي كوهين’، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للموساد.
فيزعم ‘أولمرت’ أن ‘كوهين’ اتخذ قراراً شديد الجرأة عندما وصل إلى عثمان في أوروبا، بدلاً من تنفيذ الخطة الأصلية. “لم يكن الهدف هذه المرة اختطافه، بل محاولة تجنيده”.
ووفقًا لرواية ‘أولمرت’ الحرفية ” طرق يوسي الباب، وعندما فتح عثمان قال له كوهين ما معناه: أعرِف من أنت”.
لكن ‘أولمرت’ نفسه يصف العملية لاحقاً بأنها “قرصنة أو مغامرة غير مسؤولة”، قائلا: “أظن أن ذلك كان مجازفة طائشة، فقد كان من الممكن أن يُطلق أحدهم النار”.
وتكشف التفاصيل المنشورة في الكتاب أن هذه لم تكن “عملية منفردة”، بل جزءاً من سباق إسرائيلي أمريكي للحصول على دليل يحسم الشكوك تجاه المشروع النووي السوري.
ووفق الرواية المنشورة سابقًا في صحيفة The New Yorker، كان عثمان في فيينا لحضور اجتماع لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA في مارس 2007، عندما دخل عملاء للموساد إلى شقته أثناء غيابه، وتمكنوا من استخراج معلومات حساسة من حاسوبه، تضمنت صوراً ملونة للمنشأة السورية.
تلك الصور التي أظهرت منشأة تشبه في تصميمها مفاعل “يونغبيون” Yongbyon في كوريا الشمالية القادر على إنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية، كانت نقطة تحول حاسمة في القصة برمتها.
ووفقا لرواية ‘أولمرت’، كان على إسرائيل أن تعرف ما الذي يبنيه السوريون من دون أن يعرف السوريون أن إسرائيل تعرف، كما كان عليها في الوقت نفسه أن تستعد لضربة عسكرية دون أن تثير أزمة إقليمية قبل أوانها.
وبحسب ‘أولمرت’، كان نحو 2600 شخص يعرفون بدرجات متفاوتة بعمليات المراقبة والاستعدادات المتعلقة بالمفاعل السوري، ومع ذلك لم يتسرب الأمر إلى الإعلام قبل الهجوم.
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يعقد اجتماعات حساسة بشأن المفاعل السوري في منزله بحي بلفور أيام الجمعة، فيما كان الرئيس الأمريكي الأسبق ‘جورج دبليو بوش’ يعقد بعض المناقشات المتعلقة بالملف في مقر إقامته بدلاً من المكتب البيضوي، لتقليل مخاطر التسجيل أو التسريب، بحسب رواية أولمرت.
وعند هذه النقطة، يكشف ‘أولمرت’ أن إسرائيل لم تكن تتعامل مع سوريا بوصفها عدواً على وشك شن حرب عليه فقط، بل كانت في الوقت ذاته تحاول فتح قنوات سياسية مع نظام بشار الأسد.
كان هناك مسار تفاوضي غير مباشر بشأن السلام والجولان، فيما كانت الاستخبارات الإسرائيلية تخطط في السر لضرب المفاعل.
ويكشف ‘أولمرت’ أنه كان قد دخل سابقًا في اتصالات تفاوضية مع حافظ الأسد والد بشار، ملخصًا تلك التجربة بعبارة “حاول خداعي، واتضح في النهاية أنني أنا من خدعته”.
وفي الخلفية، يستعيد ‘أولمرت’ ما عُرف بـ”عقيدة بيغن” (نسبةً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘مناحيم بيغن’)؛ أي منع خصوم إسرائيل في المنطقة من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، وهو المبدأ الذي ارتبط بقصف مفاعل “أوزيراك” العراقي في يونيو 1981.
وتقاطعًا مع رواية ‘أولمرت’ بأن إدارة بوش الابن لم تكن مستعدة لتوجيه ضربة أمريكية إلى المنشأة السورية ولذلك “قررت إسرائيل أن تتصرف بنفسها”، يذكر تحقيق ‘ذا نيويوركر’ أن أولمرت أبلغ بوش، في مكالمة هاتفية، بأن إسرائيل ستنفذ العملية بنفسها، دون أن يكشف للأمريكيين متى أو كيف.
وفي 6 سبتمبر 2007، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي الضربة بمشاركة مقاتلات من طراز F-16و F-15، حلقت على ارتفاع منخفض. وبعد العملية، لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن الهجوم.
وفي كتاب ‘أولمرت’ الجديد، يصف لحظة انتظار تأكيد نجاح الضربة بقوله: كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحاً، وألقيت 17 طناً من المتفجرات على المنشأة السورية، قبل أن يسمع مركز القيادة العبارة المشفرة “أريزونا كلنا”Arizona Kulanu.