لواء د. محمد الدسوقى يكتب.. زيارة مدير الـ CIA إلى القاهرة: لماذا مصر الآن؟
وما الذي تكشفه خريطة الأزمات الإقليمية؟

في أوقات الأزمات الكبرى، تكتسب زيارات رؤساء أجهزة الاستخبارات دلالات تتجاوز جدول اللقاءات المعلن، خاصة عندما تتزامن مع تحولات متسارعة في أكثر من ساحة إقليمية. ومن هذا المنطلق، تستحق زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “جون راتكليف” إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 20 سبتمبر 2026 قراءة تتجاوز خبر الزيارة نفسه.
فمصر تواجه في محيطها المباشر ملفات متشابكة، أبرزها: مستقبل وقف إطلاق النار في غزة، والحرب في السودان، والتطورات في اليمن والبحر الأحمر، والتوتر المرتبط بإيران، فضلًا عن أوضاع القرن الأفريقي. وقد شارك في اللقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، بما يعكس حضور التعاون الأمني والاستخباراتي ضمن العلاقات بين البلدين.
وجاءت زيارة القاهرة في سياق تحركات أخرى لـ “راتكليف”؛ إذ أفادت رويترز بأنه ألتقى الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” بصورة غير رسمية في مطار شانون بأيرلندا، بعد لقائه الرئيس “السيسي”، وأنه زار موسكو قبل ذلك بأقل من شهر وألتقى مسؤولين كبارًا
في الاستخبارات الروسية. ولا تعني هذه الوقائع بالضرورة أن الزيارات الثلاث كانت جزءًا
من مهمة واحدة، لكنها تُظهر أهمية القنوات الاستخباراتية في إدارة الأزمات ونقل التقديرات والرسائل، إلى جانب الدبلوماسية التقليدية.
لماذا القاهرة الآن؟
ترتبط أهمية القاهرة بالنسبة لواشنطن بموقع مصر داخل خريطة الأزمات، وبمصالحها المباشرة
في نتائجها. فغزة تقع على حدودها الشرقية، والسودان على حدودها الجنوبية، بينما يمثل البحر الأحمر وقناة السويس جزءًا أساسيًا من أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية. وتمتد علاقاتها واتصالاتها
إلى دول الخليج والقرن الأفريقي، كما تحتفظ بقنوات اتصال مع أطراف مختلفة في المنطقة.
وتمنح هذه المعطيات مصر قدرة على المشاركة في جهود التهدئة، سواء من خلال الوساطة السياسية أو تبادل التقديرات الأمنية. كما أن خبرتها الطويلة في التعامل مع ملفات غزة ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود تجعل الحوار معها مهمًا عندما تتقاطع الأزمات أو تنتقل آثارها من ساحة إلى أخرى.
ووفقًا للبيان المصري بشأن اللقاء، أكد “راتكليف” حرص الإدارة الأمريكية على استمرار التنسيق الوثيق مع القاهرة، وأشاد بالدور المصري في جهود التسوية السلمية. كما تناول البيان التعاون بين وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات العامة المصرية في مجالات الأمن والاستخبارات ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود.
الأزمة الإيرانية وتداعياتها على أمن الملاحة:
يبدو الملف الإيراني من أبرز مفاتيح فهم توقيت الزيارة. فقد أكد الرئيس “السيسي”، بحسب البيان المصري، دعم مصر للجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة الإيرانية، ويعيد الأمن والاستقرار، ويحافظ على حرية الملاحة الدولية.
وتتجاوز أهمية هذا الملف بالنسبة لمصر نطاق العلاقات بين واشنطن وطهران. فأي اتساع للمواجهة، أو انتقال لآثارها إلى الممرات البحرية عبر أطراف إقليمية، يمكن أن ينعكس
على البحر الأحمر وقناة السويس. ولهذا تتلاقى مصلحة القاهرة في خفض التصعيد مع حاجتها إلى حماية انتظام الملاحة والتجارة الدولية.
وتحدثت تقارير صحفية عن اتصالات مصرية مع أطراف معنية بالأزمة الإيرانية ومحاولات لتقريب المواقف. وفي حال نجحت هذه الاتصالات في فتح مساحة للتفاهم، فقد تسهم في تقليل احتمال امتداد التوتر إلى ساحات أخرى. لكن طبيعة ما دار في لقاء “راتكليف” بالقاهرة، وما إذا كان قد حمل رسائل محددة بشأن إيران، يظل خارج نطاق ما أُعلن رسميًا.
اليمن وباب المندب .. هل يقترب الصراع من قناة السويس؟
تضيف التطورات الأخيرة في اليمن بُعدًا آخر لأهمية الزيارة. فقد تزامنت مع تصعيد عسكري على الساحل الغربي لليمن وتزايد المخاوف بشأن أمن باب المندب. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول حوثي قوله إن الجماعة أبلغت الإدارة الأمريكية بأنها لن تستهدف السفن الأمريكية في البحر الأحمر. ويظل هذا تصريحًا منسوبًا إلى المسؤول الحوثي، ولا يحسم بمفرده مستقبل أمن الملاحة أو موقف الجماعة من السفن الأخرى.
تكمن خطورة المشهد في أن السيطرة على مواقع قرب باب المندب، أو امتلاك القدرة على تهديد السفن العابرة، تمنح أطراف الصراع وسيلة ضغط تتجاوز حدود اليمن. فالمضيق هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأي اضطراب ممتد فيه ينعكس على حركة التجارة المتجهة إلى قناة السويس ومنها إلى الأسواق العالمية.
وبالنسبة لمصر، ترتبط سلامة الملاحة في باب المندب مباشرة بأمن البحر الأحمر وإيرادات قناة السويس. لذلك يمكن أن تكون ترتيبات أمن الملاحة ومنع اتساع المواجهة من القضايا التي تفسر أهمية التشاور المصري الأمريكي في هذا التوقيت، من دون الجزم بأنها كانت موضوع اتفاقات محددة خلال اللقاء.
ملفات على الساحة .. غزة والسودان والقرن الأفريقي:
لم تغب القضية الفلسطينية عن المباحثات المعلنة. فقد تناول اللقاء تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، فيما جددت مصر موقفها بشأن حماية المدنيين، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لاستئناف العملية السياسية وصولًا إلى تسوية وفق مبدأ حل الدولتين.
وتساعد طبيعة ملف غزة على تفسير حضور مدير الـ CIA في هذه المشاورات؛ فتنفيذ التهدئة يرتبط، إلى جانب المسار السياسي، بقضايا أمنية وترتيبات ميدانية وتبادل للمعلومات. وهنا يؤدي التنسيق بين الأجهزة المختصة دورًا في متابعة ما يُتفق عليه ومعالجة ما قد يعترض تنفيذه.
كما شملت المباحثات، وفقًا لما أُعلن، السودان والصومال والقرن الأفريقي. وأكد الرئيس “السيسي” دعم مصر لوحدة السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية، فيما تناول اللقاء جهود دعم الأمن والاستقرار في الصومال ومحيطها الإقليمي. ويُظهر اتساع جدول الأعمال أن الحوار بين القاهرة وواشنطن يمتد عبر نطاق جغرافي مترابط، تبدأ بعض أزماته على حدود مصر، وتصل آثار بعضها الآخر إلى البحر الأحمر والملاحة الدولية.
ماذا تعني زيارة مدير وكالة استخبارات؟
لا يكشف منصب الزائر، في حد ذاته، عن مضمون غير معلن للمباحثات. لكنه يلفت الانتباه
إلى طبيعة المرحلة؛ فملفات التهدئة وتقدير نوايا الأطراف ومنع التصعيد تحتاج أحيانًا إلى قنوات سريعة لتبادل المعلومات والرسائل، بالتوازي مع عمل وزارات الخارجية والقيادات السياسية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة “راتكليف” بوصفها مؤشرًا إلى أهمية مصر لدى واشنطن كشريك في تقدير المخاطر الإقليمية والتعامل معها. ولا يعني ذلك تطابق مواقف البلدين في كل قضية، بل وجود ملفات تجعل التنسيق بينهما ضروريًا، خاصة حين تتداخل الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية.
كيف تستثمر مصر موقعها فى إدارة هذه الملفات؟
تملك القاهرة ميزة مهمة تتمثل في قدرتها على التواصل مع أطراف تختلف مواقفها، مع احتفاظها بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وروابط وثيقة بالدول العربية. وتزداد قيمة هذه الميزة كلما ضاقت قنوات الحوار المباشر بين أطراف الأزمات.
لكن أهمية الدور المصري لا تُقاس بعدد الملفات التي تشارك فيها القاهرة فحسب، وإنما بما تحققه هذه المشاركة من نتائج تخدم أمنها القومي، مثل: تثبيت التهدئة في غزة، والحفاظ على وحدة السودان، ومنع تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وخفض احتمالات اتساع المواجهة المرتبطة بإيران. وهذه أهداف تحتاج إلى تنسيق مستمر وحساب دقيق للمصالح والقدرات وحدود التأثير.
لذا فإن زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى القاهرة تكشف عن أهمية مصر في لحظة تتقاطع فيها أزمات غزة والسودان وإيران واليمن والقرن الأفريقي مع أمن البحر الأحمر وقناة السويس، إضافة لمضيق هرمز. وتؤكد الوقائع المعلنة استمرار التنسيق المصري – الأمريكي واتساع القضايا التي يشملها، بينما تبقى أهداف أي مشاورات غير معلنة في نطاق التقدير والتحليل.
والسؤال بعد الزيارة لا يقتصر على ما تريده واشنطن من القاهرة، بل يمتد إلى كيفية توظيف مصر لموقعها وعلاقاتها في خفض التصعيد وحماية مصالحها. ففي منطقة تتزايد فيها أهمية هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، تصبح حماية الممرات البحرية
جزءًا أساسيًا من حماية الأمن القومي المصري والمشاركة في صياغة ترتيبات أكثر
استقرارًا للمنطقة.