كتاب وشعراء

بين زمنين… بقلم الكاتب: علاء العلاف

“يا بني… إني لأعلمُ أنك خُلقتَ لزمنٍ غير زمني، وسِرتَ في دروبٍ لم تطأها قدماي، وتنشّقتَ هواءً لا يشبه ما كنت أتنفسه. حتى الضوء… بات ينسكب على كتفيك بلونٍ لا تعرفه عيناي. كنتُ أنا ابنَ طاعة، نكبر على الانحناء ونحفظ “نَعَم” قبل أن نعرف الحروف، نُسكت الحلم إذا علا صوته، نؤمن أن الأب لا يُسأل، والمعلم لا يُخطئ، وأن السكوت حكمة، والاعتراض قلة أدب. أما أنتم… فأنتم أبناء السؤال، أبناء الشكّ المقدّس، تسألون: “لِمَ؟” تُجادلون، تكتبون وتغضبون ولا تُسكتون الحلم، بل ترفعونه شعارًا. تعلمتُ أنا فوق حصيرٍ خشن، والمعلم يلوّح بعصاه أكثر مما يلوّح بحروفه، أما أنت… فعلّمتك آنسة رقيقة، بصوتها العذب وصورها الملوّنة، وغنّت لك الأبجدية قبل أن تكتبها. كبرتُ في زمنٍ لا يُرى فيه الدين إلا جلالاً، ولا تُذكر فيه السياسة إلا همسًا، ولا تُرى المرأة إلا ظلاًّ متلفّعًا بالحياء، أما أنت… فجلستَ إلى جوار الفتاة في الجامعة، تسمع منها وتناقشها، تراها إنسانًا لا نصف ظلٍّ، تكتبُ عن الحرية كأنك عثرتَ على فردوس مفقود. وأنا؟ أنا كنت أتعلم الصمت، أتعلم الرضا، أتعلم أن أمشي بمحاذاة الحائط، وأنت تمشي في منتصف الشارع، تلتقط الصور وترفع صوتك ثمّ تقول: “أنا هنا”. أخاف عليك يا بُني، لا لأنك مخطئ، بل لأن العالم تغيّر كثيرًا، وأنا لا أعرف كيف أضع قلبي في جيب هذا الزمن الجديد. لكن رغم كل شيء، ورغم كل المسافات، ثمة شيء لم يتغير بيني وبينك: هذا الخيط الرفيع من الحُب الذي لا يقطعه اختلاف ولا تشوّهه الأزمنة. فأنا أبوك… وإن كنت لا أفهمك دومًا، إلا أنني أراك وأحبك وأدعوك باسمك كل ليلة”.

بقلم: علاء العلاف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى