لواء د. محمد الدسوقي يكتب.. زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة: هل تُدار المنافسة أم يُعاد رسم قواعدها؟
الخبير الاستراتيجى والأمنى والعسكرى: خروج التنافس عن السيطرة يتجاوز حدود كلفته

جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، ولقاؤه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، في لحظة تتجاوز فيها العلاقة بين البلدين حدود الخلاف التجاري المعتاد. فالقوتان الأكبر في الاقتصاد العالمي تتنافسان اليوم على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والنفوذ السياسي، بينما تدركان أن خروج هذا التنافس عن السيطرة ستكون له كلفة تتجاوز حدودهما.
وتكتسب الزيارة دلالة خاصة لأنها تعيد الحوار المباشر بين الرئيسين إلى قلب إدارة العلاقة. لكنها تطرح سؤالًا أهم من أجواء الاستقبال واللقاءات الرسمية: هل يستطيع الطرفان الاتفاق
على قواعد تمنع الأزمات، حتى إذا تعذر عليهما إنهاء أسبابها؟ وقد تصدرت ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان والتطورات المرتبطة بإيران جدول الاهتمام المصاحب للقمة.
الاقتصاد: هدنة تحت الاختبار:
تريد واشنطن علاقة تجارية تحقق مكاسب ملموسة لمنتجيها، وتضمن وصول صناعاتها
إلى المواد الحيوية، وفي مقدمتها المعادن الأرضية النادرة. وفي المقابل، تسعى بكين إلى استقرار يسمح لشركاتها بالتخطيط والتصدير، ويخفف أثر القيود الأمريكية على حصولها على التقنيات المتقدمة. لذلك تبدو المحافظة على الهدنة التجارية محورًا عمليًا للزيارة، وإن بقي الخلاف حول الرسوم والقيود التقنية قائمًا.
والدلالة هنا أن التجارة لم تعد ملفًا اقتصاديًا منفصلًا؛ فقد أصبحت أداة في حسابات الأمن القومي لدى الطرفين. فالرقائق المتقدمة والمعادن النادرة والقدرة على التحكم في سلاسل التوريد تؤثر في الصناعات المدنية والدفاعية معًا. ولهذا قد ينجح الرئيسان في تخفيف بعض الضغوط، من دون أن يعني ذلك انتهاء التنافس على قيادة الاقتصاد العالمي.
التكنولوجيا: السباق الذي يحتاج إلى ضوابط:
يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أكثر الملفات حساسية. فكل طرف يسعى إلى التفوق في تطويره وتطبيقاته، لكنه يواجه أيضًا مخاطر سوء التقدير أو استخدام الأنظمة المتقدمة في أزمات أمنية. ومن ثم فإن فتح قنوات للحوار بشأن هذه المخاطر قد يكون خطوة مفيدة، حتى لو استمرت القيود الأمريكية على تصدير التقنيات المتقدمة واستمرت الصين في بناء قدراتها الذاتية. وقد سبق القمة بحث إنشاء آلية للحوار في هذا المجال.
إن إدارة المنافسة التكنولوجية لا تتطلب اتفاقًا على من يتقدم أولًا، بقدر ما تتطلب إدراكًا مشتركًا بأن خطأً تقنيًا أو قرارًا متسرعًا قد يتحول إلى أزمة سياسية أو أمنية واسعة.
تايوان وإيران: حدود التفاهم:
تبقى تايوان أكثر القضايا قدرة على تحويل التوتر السياسي إلى مواجهة أشد خطورة. فموقف الصين من الجزيرة يرتبط بمبدأ السيادة ووحدة الأراضي، فيما ترتبط السياسة الأمريكية بشبكة من الالتزامات والحسابات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولهذا فإن قيمة الحوار الرئاسي تكمن في توضيح الخطوط الحمراء وتقليل احتمالات سوء الفهم، لا في توقع تسوية سريعة لخلاف عميق.
وفي الشرق الأوسط، يبرز ملف إيران بوصفه اختبارًا آخر لطبيعة العلاقة بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة تنظر إلى دور الصين الاقتصادي وصلاتها بطهران من زاوية الضغط السياسي والعقوبات، بينما تنظر الصين إلى استقرار المنطقة بوصفه مرتبطًا بأمن الطاقة والتجارة الدولية. وقد تتيح الزيارة تبادل الرسائل بشأن منع اتساع الأزمات، لكن لا يصح اعتبار ذلك اتفاقًا على سياسة موحدة تجاه المنطقة.
ماذا تعني الزيارة للمنطقة ومصر؟
أي قدر من الاستقرار بين الولايات المتحدة والصين ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار الشحن وفرص الاستثمار. وفي المقابل، فإن تصاعد المواجهة بينهما يضع دول الشرق الأوسط أمام ضغوط متزايدة في ملفات التكنولوجيا والطاقة والشراكات الاقتصادية.
وبالنسبة إلى مصر، تفرض هذه التحولات متابعة دقيقة لما قد ينتج عن الحوار الأمريكي الصيني، مع الحفاظ على تنوع الشراكات وفق المصالح الوطنية. فموقع مصر وقناة السويس وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع القوتين تجعلها معنية باستقرار التجارة الدولية، وبقدرتها على جذب الاستثمار والتكنولوجيا من دون الارتهان إلى طرف واحد. وهذه قراءة للانعكاسات المحتملة، وليست نتيجة معلنة للزيارة.
أخيراً. تكشف زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن أن المنافسة الأمريكية الصينية دخلت مرحلة تحتاج فيها القوتان إلى الحوار بقدر حاجتهما إلى حماية مصالحهما. وقد تُنتج القمة تفاهمات محدودة في التجارة أو قنوات الاتصال، لكن الحكم على نجاحها يتوقف على ما سيُنفذ بعد انتهاء مراسمها. فالمسألة الحاسمة ليست ما إذا كانت المنافسة ستستمر؛ بل ما إذا كان الطرفان سيضعان لها حدودًا تحول دون انتقال أزمة تجارية أو تقنية أو إقليمية إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
ـ