كتاب وشعراء

العلاقات الاجتماعية في زمن الفردانيّة: المائدة نموذجاً.. بقلم: ماجد القيسي

لا تعني الفردانية الحديثة، بمعناها السوسيولوجي، العزلة أو الأنانية بالضرورة، بل أولوية الفرد في الاختيار وتقرير المصير وتنظيم حياته. وهي تختلف باختلاف الطبقة والجندر والثقافة والسياق التاريخي. ففي مجتمعات الحداثة والمدينة والعمل المأجور، تراجعت شبكات القرابة الواسعة، وصارت الأسرة النووية أكثر مركزية، لكن العلاقات لم تختف، بل تغيّر شكلها ودرجة إلزامها.

يمكن النظر إلى المائدة بوصفها مؤسسة صغيرة، مادية ورمزية، توزع فيها الأدوار والسلطة والكلام. هي ليست فضاء انتماء محايدًا دائمًا. من يطبخ؟ من يقدم الطعام؟ من يجلس أولًا؟ من يُستبعد؟ من يصمت؟ هذه أسئلة تكشف أن المائدة قد تجمع، وقد تضبط، وقد تقمع. لذلك لا يصح اعتبار الماضي زمن انسجام مكتمل، ولا الحاضر زمن تفكك خالص.

في الأدب، لا نبحث عن دليل اجتماعي مباشر، بل عن تمثلات. (الغريب) لكامو يظهر أن الحضور الجسدي لا يساوي المشاركة الوجدانية. ميرسو حاضر في الجنازة، لكنه لا يشارك المجتمع إحساسه بالواجب. هنا الفردانية اختلاف في الإحساس، لا مجرد رغبة في العزلة. (مذكرات من تحت الأرض) لدوستويفسكي تكشف صراعًا آخر: الراوي يريد الاستقلال عن الجماعة، لكنه يحتاج اعترافها. أما (الحرافيش) لنجيب محفوظ فتجعل المائدة ذاكرة عائلية ومكانية، مع أن هذه الذاكرة قد تكون إلزامية وطاردة أيضًا. وفي (رجال في الشمس) لغسان كنفاني، يصبح غياب المائدة غيابًا للمكان والانتماء، لا للطعام فقط، في سياق اللجوء والاستعمار.

لكن الأدب لا يمثل كل التجارب. فالمائدة تختلف بين الريف والمدينة، وبين الطبقات، وبين من يملك بيتًا ومن يسكن مؤقتًا أو مهاجرًا. وقد تكون العزلة تحررًا لمن يجد في المائدة رقابة أو إهانة. لذلك ليس كل جلوس مشترك قربًا، وليس كل انسحاب فردانية ناضجة أو مَرَضية.

أما الهاتف فيعيد تشكيل الانتباه داخل المكان المشترك. هو يسمح بامتداد المائدة عبر المسافات، لكنه يسمح أيضًا بانفصال الفرد وهو بين أهله. ولا يتعلق الأمر بالجهاز وحده، بل باقتصاد الانتباه والخوارزميات والتفاوت الرقمي. فقد يكون الهاتف جسرًا، وقد يكون جدارًا، بحسب من يستعمله ولماذا.

السؤال إذن ليس: هل الفردانية تدمّر المائدة؟ بل: أي مائدة نريد؟ مائدة تتيح للفرد أن يبقى حرًا وأن يصغي، أم مائدة تحوّل الاجتماع إلى طقس فارغ أو سلطة خفية؟ العلاقات الاجتماعية في زمن الفردانية ليست اختيارًا بين الجماعة والفرد، بل بحث عن صيغة عادلة تجمع بين الاستقلال والاعتراف، دون أن يلغي أحدهما الآخر.

بقلم: ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى