كتاب وشعراء

قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ: “نبضُ الريشةِ” للأديبة: “نجاح الدروبي”.. بقلم الكاتبة والناقدة اللبنانية المبدعة: ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ:

الشاعرةُ جعلتِ الريشةَ كائناً نابضاً يتلقَّى من الروحِ ويعيدُ صياغتَه العالمُ في صورةِ نورٍ وألوانٍ وأملٍ.

نبضُ الريشةِ… حين تتحوّلُ اللّوحةُ إلى لغةٍ:

في قصيدةِ «نبضُ الريشة» لنجاح الدروبي، لا تقفُ الريشةُ عند حدودِ كونِها أداةً للرسمِ، بل ترتقي إلى مرتبةِ الكائنِ الحيِّ الذي يخفقُ بإحساسِ صاحبتِه، حتى يغدوَ العنوانُ مفتاحًا دلاليَّاً للنصِّ كلِّه؛ فالنبضُ يحيلُ إلى الحياةِ والشعورِ، بينما «الريشةُ» تُحيلُ إلى الفنِّ والخلقِ، ومن تآلفِهما تتولّدُ فلسفةَ القصيدةِ: الفنُّ حين يصدرُ عن روحٍ حيّةٍ يستطيعُ أن يعيدَ تلوينَ العالمِ.

منذُ المطلعِ:

جَمِيلَةٌ تَعْشَقُ الأَلْوَانَ فِي شَغَفٍ
وَتَرْتَجِي عَالَمًا بِالْحُسْنِ يَزْدَهِرُ

تضعُ الشاعرةُ السورية نجاح الدروبي شخصيتَها الفنيةَ في فضاءِ الجمالِ، فلا تُرسمُ لمجرّدِ الرسمِ، وإنّما تحملُ مشروعاً وجدانيَّاً يتجاوزُ اللوحةَ إلى العالمِ. الفعلُ «تعشقُ» يكشفُ أن علاقتَها بالألوانِ علاقةٌ وجدانيّةٌ لا تقنيةٌ، بينما «ترتجي» تنقلُ الفنَّ من مساحةِ التعبيرِ إلى مساحةِ الحلمِ؛ إنّها لا تكتفي برؤيةِ الجمالِ، بل تتطلعُ إلى عالمٍ يزدهرُ به.

وهنا تتشكّلُ ثنائيةٌ لافتةٌ بين الواقعِ المعيشِ والعالمِ المأمولِ؛ فالفنانةُ في القصيدةِ لا تنسخُ الواقعَ، بل تعيدُ تشكيلَه وفقَ رؤيتِها الداخليةِ.

ِوفي البيت:

تَقُودُهَا فِكْرَةٌ مِنْ نَسْجِ رُوحِهَا
وَالنُّورُ مِنْ رِيشَةٍ بِالنَّبْضِ تَنْصَهِرُ

يتداخلُ الفكرُ والروحُ والنورُ والريشةُ في شبكةٍ دلاليّةٍ واحدةٍ. فالفكرةُ ليستْ وافدةً من الخارجِ، وإنّما من «نسيجِ روحِها»، وكأنَّ الإبداعَ عمليةُ ولادةٍ داخليّةٍ تبدأُ فكرةً، ثم تعبّرُ الروحَ، ثمَّ تجدُ طريقَها إلى الريشةِ. أمّا الصورةُ في «النور من ريشةٍ بالنبض تنصهر» فتمنحُ الريشةَ وظيفةً تتجاوزُ الرسمَ؛ إنَّها تستحيلُ أداةً لصناعةِ الضوءِ.

واللافتُ أنَّ الشاعرةَ “نجاح الدروبي” لا تجعلُ الفنَّ منفصلاً عن الانفعالِ الإنساني، بل تجعلُه مرآةً له:

وَإِنْ بَكَتْ أَطْلَقَتْ فَوْقَ الْمَسَاءِ أَسَىً
وَإِنْ بَسَمَتْ تَوَهَّجَ فِي مَحَاسِنِهَا الصُّوَرُ

هنا تقومُ القصيدةُ على ثنائيةِ البكاءِ/الابتسام،ِ الأسى/التوهجِ، وهي ثنائيةٌ تمنحُ اللوحةَ بُعدًا نفسيًّا؛ فالريشةُ لا تُرسمُ ما تراه العينُ فحسب، بل تُترجمُ ما يختزنُه القلبُ. ولعلَّ أجملَ ما في هذا التصويرِ أنَّ الحزنَ نفسَه لا يبقى حبيسَ الذاتِ، بل يتحوّلُ إلى صورةٍ، تماماً كما يتحوّلُ الفرحُ إلى توهجٍ.

ثمَّ تأتي الألوانُ لتتحوّلَ من مادةٍ صامتةٍ إلى قوةٍ فاعلةٍ:

تُرَاقِصُ الأَلْوَانَ فِي لَوْحَاتِهَا فَرَحاً
فَيُنْبِتُ الحُبُّ مَوَّاراً وَيَنْتَصِرُ

فعلُ «تراقص» يحرّرُ اللونَ من جمودِه، ويمنحُه حركةً وحياةً، بينما «ينبت الحب» يستعيرُ من الطبيعةِ فعلَ الإنباتِ ليجعلَ الحبَّ أشبهَ ببذرةٍ تجدُ في الفنِّ تربةً خصبةً. وهنا يصبحُ الرسمُ فعلَ مقاومةٍ رمزيةٍ للذبول؛ِ فالحبُّ «ينتصرُ» لأنَّ الجمالَ قادرٌ على أن يمنحَه مساحةً للبقاءِ.

وتتّسعُ دائرةُ الرؤيةِ في:

وَتَرْسُمُ الآمَالَ فِي آفَاقِهَا أَلَقاً
لِيُشْرِقَ الفَجْرُ بَسَّاماً وَيَبْتَكِرُ

فاللوحةُ لم تعدْ فضاءً خاصَّاً بالفنانةِ، بل أصبحتْ أفقاً للمستقبلِ. وتحضرُ هنا مفرداتُ الآمالِ، الآفاقِ، الألقِ، الفجرِ، الإشراقِ لتؤسسَ معجماً ضوئيَّاً واضحاً يهيمنُ على النصِّ. وكأنَّ الشاعرةَ تبني مقابلَ العتمةِ الداخليةِ أو الخارجيةِ منظومةً من الضوءِ، يبدأُ من الريشةِ وينتهي بالفجرِ.

وفي البيتِ:

تَمْزِجُ مِنْ حِسِّهَا العِطْرِيِّ نَفْحَتَهُ
فَيَفْرُشُ النُّورَ فِي الدُّنْيَا وَيَنْتَشِرُ

تتداخلُ الحواسُ بصورةٍ جميلةٍ؛ فالحسُّ العطري يدخلُ إلى عالمٍ بصريٍّ قائمٍ على الضوءِ واللونِ. وهذا التداخلُ الحسي يضفي على التجربةِ ملمساً وجدانيَّاً، ويجعلُ الفنَّ تجربةً تتجاوزُ حاسةَ النظرِ إلى الإحساسِ الكلي بالجمالِ.

أمّا:

وَتُودِعُ السِّرَّ فِي أَطْرَافِ رِيشَتِهَا
لِتَخْلُقَ السِّحْرَ لَا خَوْفٌ وَلَا حَذَرُ

فهو من أكثرِ المقاطعِ دلالةً على علاقةِ الفنانِ بأداتِه. فالريشةُ تحملُ «السرَّ»، وكأنَّها مستودعُ التجربةِ الخفيّةِ التي يصعبُ قولَها بالكلماتِ. وهنا يصبحُ الفنُّ لغةً بديلةً عن البوحِ المباشرِ؛ ما تعجزُ الذاتُ عن التصريحِ به، تتركُه على أطرافِ الريشةِ.

وتُختتمُ القصيدةُ بصورةٍ تجمعُ البياضَ والغيمَ والأفقَ:

تَمْلَأُ الْبَيَاضَ سَنًا بِالْعُمْقِ تَصْنَعُهُ
وَتَجْعَلُ الْغَيْمَ فَوْقَ الْأُفْقِ يَنْتَشِرُ

فالبياضُ هنا ليس فراغاً، وإنّما مساحةٌ قابلةٌ لأنْ تُخلقَ فيها الدلالةُ. والجميلُ أنَّ القصيدةَ بدأتْ بالألوانِ وانتهتْ بالبياضِ، وكأنَّ الفنانةَ لا ترى في البياضِ خواءً، بل إمكاناً للخلقِ.

على مستوى البناءِ الفني:

ِيقومُ النصُّ على تتابع الأفعالِ المضارعةِ: تعشقُ ، ترتجي، تقودُها، تنصهرُ، تتراقصَُ ترسم،ُ تمزجُ، تودّعُ تخلقُ، تملأُ، تجعلُ؛ وهذا الحضورُ الكثيفُ للفعلِ يمنحُ القصيدةَ حركةً مستمرّةً، ويجعلُ عمليةَ الإبداعِ تبدو وكأنَّها تُحدثُ أمامَ المتلقي لحظةً بلحظةٍ.

كما يبرزُ معجمُ اللونِ والنورِ بوصفِه العمودَ الدلاليَّ للنصِّ:
الألوان، النور، توهج، ألق، الفجر، العطر، الضوء، البياض، السنا.
ويقابلُه معجمٌ وجدانيٌّ: الشغف، الروح، الأسى، الفرح، الحب، الآمال، السر.

وهكذا تتعانقُ في القصيدةِ ثلاثةُ عوالمَ: عالمُ العين، وعالمُ القلبِ، وعالمُ الروحِ.

أمّا موسيقياً، فقد اختارتِ الشاعرةُ إيقاعاً خليليّاً منتظماً، مع حضورِ قافيةِ الراء المضمومةِ في خواتيمِ الأبياتِ: يزدهرُ، تنصهرُ، الصورُ، ينتصرُ، يبتكرُ، يحذّرُ ، ينتشرُ، وهو ما يمنحُ النصَّ وحدةً إيقاعيةً واضحةً، وإنْ كانتْ بعضُ التراكيبِ تحتاجُ إلى مزيدٍ من الصقلِ اللغوي والعروضي حتى تبلغَ الموسيقى أعلى درجاتِ الانسجامِ.

خلاصةُ القراءةِ:

«ْنبض الريشة» ليست قصيدةً عن رسامةٍ وألوانِها بقدرِ ما هي قصيدةٌ عن الإنسانِ حين يحوّلُ إحساسَه إلى جمالٍ. فالريشةُ هنا امتدادٌ للروحِ ،واللونُِ ترجمان للمشاعرِ، واللوحةُ مساحةٌ لمصالحةِ الذاتِ مع العالمِ. ومن خلالِ ثنائيةِ الحزنِ والفرحِ، العتمةِ والنورِ، البياضِ واللونِ، الواقعِ والحلمِ، ترسمُ الشاعرةُ القديرةُ ” نجاح الدروبي “صورةً لفنانةٍ تؤمنُ بأنَّ الجمالَ ليس ترفًا، بل قدرةٌ على إعادةِ بناءِ الحياةِ.

إنّها قصيدةٌ تجعلُ من الريشةِ قلبًا، ومن اللونِ نبضاً، ومن اللوحةِ فضاءً للحبِّ والأملِ؛ وفي هذا تكمنُ دلالتُها الأجملُ: حين تعجزُ الكلماتُ عن قولِ ما في الروحِ، قد تتكفّلُ الريشةُ بالبوحِ.
دُمتِ مبدعةً ودامَ يراعُكِ محلّقًا في رحابِ الأدبِ والجمالِ.

بقلم الناقدة القديرة: ليلى صليبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى