
تحتل تجربة الفقد الوجودية مساحة شاسعة على خريطة الشعرية العربية والإنسانية، حتى ليخيل إلى المرء أن ينابيع الشعرية الثرة الرائعة لا تتدفق في روح الشاعر وأقاصي حواسه الظاهرة والباطنة، إلا بعد أن يصطلي بنيران الفقد، ويحترق جلد روحه بها. هكذا قدر الله في الأزل! فلو ذهبت تطلب غير هذا السياق الأليم لجابهتك السماء برفضها الحليم الرحيم!
ولهذا؛ يحار المرء بين شكر هذه التجربة الموجعة، وبين الغضب عليها وكراهيتها والاشمئزاز منها..!
يريد الإنسان الراحة والرفاه والمتعة واللذة، ويريد كذلك بهجة رقصة الإبداع، وفرح الخلق، وتدفق الإلهام وحيوية الروح ونشاطها اليقظ.. وكان سبق في الأزل أن القدر قال كلمته: لا تجتمع هاتان الإرادتان معا! فلا إبداع مع الراحة، ولا خلق مع رفاه، ولا إلهام مع متعة، ولا حيوية للروح مع انغماس في لذة وطيئة مبتذلة!
ومن هنا ابتدأت الدراما الإنسانية الكادحة، وتفتحت بوابات المعنى الخفية، وازدهرت وردة الوجود البشرية وأينعت حد التجلي المحترق!
هل تملك تجربة الفقد الشعرية المعاصرة معرفة جمالية جديدة تعيد بها تعريف الأشياء والكائنات والمعاني؟!
هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه بقوة وعمق على كل تجربة شعرية جديدة..! لأنه لا معنى للحرث في البحر! لا معنى لإعادة إنتاج الجمالات القديمة! لا معنى لصب الخمر الجديدة في الآنية القديمة المشروخة! لا معنى للبلادة المعرفية والعفن الوجودي والركود الشعوري! لا معنى لأن ننشد نفس اللحن في كل الأزمنة والأمكنة!
إن الإنسان / الشاعر بما هو صنيعة الله الكبرى، وآيته العظمى، وسر جماله وجلاله الأكرم، عليه أن يتعلم من ربه الخالق العظيم؛ إذ إنك تمشي في كل الأرض فلا تجد ورقتين في كل أشجار العالم تشبهان بعضهما! ولا حبتين من رمل تشبهان بعضهما، كما أنك لا تجد بصمتين في كل أصابع العالم تشبهان بعضهما..!
التجلي المطلق المتجدد الدائم هو الشريعة الإلهية الخالدة السرمدية! وهكذا يجب أن يكون التجلي الإنساني الشعري أبداً..!
وأستطيع القول بثقة كافية إن ديوان: “قلب مرتجع” للشاعرة رشا الخطيب، وهو من تجليات قصيدة النثر المعاصرة، حافل بنصاعة ساطعةٍ بتلك الأمواج الجمالية الجديدة التي أمَّلها أفق التوقع النقدي الكاشف المضيء!
**
للوهلة الأولى، يضعنا عنوان الديوان: “قلب مرتجع” أمام معنيين موجعين هما: الاعتلال والتلف. يأتي الاعتلال من استحضار مصطلح (ارتجاع المريء)، باعتباره دالا على علة مزمنة قارسة الوجع والألم، كما يأتي معنى التلف والهلاك من استحضار الكلمة الشائعة (بضاعة مرتجعة) باعتباره دالا على انتهاء صلاحيةٍ، وضياع قيمةٍ، واندراجٍ حتميٍّ في المهمل والمرميِّ في النفايات المطروحة!
في شعرية رومانسية قديمة كنا نرى فكرة أنسنة الأشياء، وهي فكرة جميلة حققت كثيراً من الربح لصالح الكينونة الإنسانية باعتبارها المرتبة العليا في مصفوفة الخلق والتكوين الإلهي..! لكننا هنا في (قلب مرتجع)، نحن أمام “سلعنة” المفردات الإنسانية إذا جاز التعبير، فإذا رأينا أن المفردة الإنسانية التي مورس عليها هذه الجناية الفادحة هي “القلب”، العضو الأعظم والأخطر في الإنسان، علمنا إلى أي هاوية وصل إليها الكدح الإنساني السكران المترنح..!
نحن مقدمون على مطالعة جناياتٍ كبرى إذن! ليكن! فلنتقدم قليلا.. ولنر!
**
نقرأ في الإهداء:
“إلى أرواح تشبهني/ إلى اللقاء.. قريباً/ في الفردوس الأعلى”
هكذا تطالعنا الذات الشاعرة بوجهها الحقيقي وكينونتها المفردة؛ إذ هي”روح” تشبه أرواحاً، وإذ هي على موعد بلقاء قريبٍ معها في الفردوس الأعلى!
لا يجرد الروح من الجسد إلا الموت! الموت ذلك الملاك الجميل الذي يفتح بوابات الفردوس الأعلى للقادمين من الأسفل، من الظلام، من الخطيئة، من الألم العميق.. ذلك الملاك الجميل الذي يجمع بين العاشقين، ويسقيهم بيده الشريفة شربة من فرح وغبطة ووصال لا يظمأون بعدها أبداً!
إن الفردوس الأعلى هنا لا يمثل مكانا متفجراً بالنور واللألاء والنعيم فقط..، بل عمدت الشاعرة إليه باعتباره أعلى نقطة في التصور الإنساني للوجود المخلوق.. أعلى مرتبة مكانية.. أعلى زمان سائل متدفق.. أعلى حافة تليق بالوعي الحافِّيِّ الذي دشنته تجربة الفقد في روح الشاعرة وعيونها الثلاث!
**
“سأحمي نسختي الأولى” / 5
هذه هي جملة الديوان الأولى، الجملة البؤرية نافذة الإشراق والسطوة والاستحواذ.. نستطيع القول: إن الديوان كله بعد هذه الجملة الابتدائية يبدو كما لو كان خبرا طويلا لها! كما لو كان تفسيرا وشرحا، كما لو كان كفة الميزان الثانية إذ هذه الجملة كفته الأولى!
تبتدئ الجملة بحرف “السين” المفيد للتسويف القريب، المتسلطة أشعته على المستقبل، فيما تشير باطنية الحرف إلى اللحظة الحاضرة حيث الذات مشتغلة ربما بحقوق هذه اللحظة الدامية..
سيكون الديوان كله من رعايا هذه السين/ هذا القسَم المختفي المضمر/ هذا الوفاء بوعد قديم أو نذر كريم/ هذه النجوى الصامتة للمعشوق الغائب..! إن هذه السين ليست الحرف الثاني عشر في ترتيب الأبجدية العربية، هنا، في جملة الديوان الأولى. إنها سين الفردوس، استعارتها الشاعرة في احتشاداتها المقاومة المقاتلة لأعداء كثيرين سيجابهونها على طول المتن الشعري في الديوان! إنها سين العزاء الفردوسي للشاعرة، وستتكفل لها بوظيفتين: بالحماية الآن: “سأحمي نسختي القديمة”، ثم بعد حين قليل تتكفل لها بالكفاية: “تركتَ لي ثلاث عيون، ستكفي السبع العجاف” / 5
والسؤال الآن: من أي شيء تحمي الذات الشاعرة / العاشقة نسختها الجديدة التي كانتها بعد تجربة تحليقها الأول بأجنحة الفقد والغياب؟!
وأجيب: ستحمي الشاعرة العاشقة نسختها الوجودية الجديدة من أعداء كثيرين، ومكروهات متواترات متآمرات عليها منثورات عبر الديوان كله بعد جملته البؤرية الأولى، نرى هذه المصفوفات الممقوتة المتآمرة على روح الشاعرة النقية البيضاء، نرى طوابير: الشرود، التشرد، التمرد، الزيف، العجفة، العهر، الخارطة العربية، الأشباح، الصراخ، الأنقاض، الفوضى، التلاشي، القمامة، الإعلانات التجارية، قتلة الأنبياء، ثغرات القانون، التخدير، الصناديق المقفلة، آبار البترول، الحجاج بن يوسف الثقفي، ثقوب العمر، الأسئلة بما هي ساحة قتال، المودة الباهتة، الخيبات الألف، الأنفاق الألف، الغروب، الغسق العليل، الأسلحة، الفيروسات، الانتصارات حبسية الماضي، الخلل الكيميائي، الهشاشة، الأرق اللعين، هول المسافات، الثكل، النبذ، حواجز البعد، ضياع الأمنيات، الفراغ، كسر الخاطر، الانطفاء، الأمنيات المعتلة، انفلات الماء من الكف، القبور، القيود، الخجل، البالوعات، قائمة الخيبات، الأحضان المزكومة فاقدة الشم، ناطحات السحاب، طوابير علامات الاستفهام، اختصار النبوة في قال الله وقال الرسول، الأرشيف المهمل، الشاشات الزرقاء، الذاكرة الجافة، اختلال التوازن، أنظمة العبودية، وطأة الاحتلال، المتاهة، وخز العناقات المؤجلة، الموت البطيء، عطب الحواس الخمس، الكوابيس، النسيان، الأجنحة المستعارة، القسوة، البطء، الوجوه المتعددة، رقم اثنين، المنفى، المنابذ الجديدة، دخان السيجار الفاخر، النسخ البائرة منا، الفراق، الظلام، معارك طواحين الهواء، الشيخوخة، الأخاديد، البارود، الأرواح الشريرة، الاعترافات المخزية، الجسد الضيق، القاتل المتسلسل، الموت المكدس، الأحضان المشروخة ..!
إن الديوان كله يمثل ساحة قتال عنيف، بين روحٍ طائرة البياض، هي كينونة الشاعرة، وبين كل هذه السهام النارية المقذوفة باتجاه صدر الشاعرة من كل هذه الكائنات الشريرة والمعاني الخائنة الشيطانية..! لا هدنة في هذا القتال! لا توقف لالتقاط الأنفاس! لا استسلام من الطرفين المتقاتلين! ونحن في هذه المعمعة نائلنا فيها احتراق كثير، وآلام قاسية شتى!
لماذا نالنا فيها ما نالنا؟!
لأن الشعرية هنا نجحت نجاحاً باهراً في إشعارنا بالاستبسال الدامي لها في مواجهة هذه الغابة الشاسعة من كل هذا القبح المسلح المتآمر البغيض!
**
من آيات نجاح الشعرية في هذا الديوان، أنها قدمت للقارئ منظوراً مختلفاً جديداً لتجربة الفقد الوجودية.. إذ تجاوزت الشريعةَ الخنسائيةَ المهيمنة في هذا السياق، فنحن هنا لسنا أمام تأبينٍ للفقيد، لسنا في ذكر مناقبه ومآثره وفضائله وفواضله وبطولاته وامتيازاته وتجليات وجوده العليا..
نحن، هنا، أمام ذلك الوعي الفادح بصيرورة الذات الشاعرة، التي تعاني بقاءها وحيدة كمقعد أخير في سينما مظلمة، بعد فقدها معشوقها الأجمل ومرشدها الأحنى! الصيرورة المتجددة الألم كل صباح، كل تباريح فجر..! نحن أمام الإحساس الضخم بثقل الوجود القادم بغير حاضنات عيون المعشوق ورافعات شفاهه المشتهاة والمشتهية في آن!
“لا تكن قاضياً ولا جلاداً / فكفاني جسد يئن / من حمل الأمانة / يتهاوى / بين ثقل المعنى / وألف خيبة / وألف نفق / يضيق.. يضيق / وأنا أمتلئ بمحاولات النجاة” / 20
**
إن كل تجارب العشق الحقة المتعالية لا ترى العالم والوجود إلا جبهتين لا ثالث لهما، جبهة العاشق وجبهة المعشوق..! يغيب العالم والوجود الغيري في تجربة العشق! تصير الثنائية الوحدانية هذه هي قانون التجربة الأوحد! إن المعشوق يملأ عيون العاشق كلها.. يملأ خاطره.. يملأ روحه وجسده.. يملأ صحوه وغفوته.. يملأ خياله ووهمه..يصور هذه الفكرة خير تصوير مولانا سلطان العاشقين ابن الفارض حين يقول:
ولو خطرت لي في سواكَ إرادة * على خاطري، سهواً، حكمتُ بردَّتي!
تتمتع هذه الثنائية الوحدانية بعنفوانها وحيويتها في حال وجود العاشق والمعشوق معاً! حتى إذا رحل المعشوق تسقط هذه المعادلة في اختلال رهيب، لن يكون أمام الشعرية المتألمة إلا أن تعوض هذا النقصان بنسق من الثنائيات التعبيرية التي تحاول أن تعيد للروح الشاعرة سيرتها الأولى المتزنة حيث المعشوق حيٌّ يحضَن!
ستقابلنا في الديوان أمثال هذه الثنائيات التعبيرية:
* النسخة القديمة / النسحة الجديدة: “سأحمي نسختي الجديدة” / 5
* المرشد / الخادم: “كنتَ مرشدي/ وكنتُ خادمتكَ” / 6
* النص / الارتجال: “المعلقة بين النص والارتجال” / 6
* البياض / السواد: “قلم أبيض / على صفحة سوداء” / 6
* الوصل / الفصل: “وصلا وفصلاً” / 8
* الصمت / الشعر: “قال: في صمتك شعر” / 9
* أنا / العالَم: “فقط أنا وأنت” / 15
* الشجر / الموج: “فمال بال الشجر يعلمني الاكتفاء
والموج امتطاء المد” / 25
*رغاء الإبل / الخليج: “فقدت رغاء الإبل/ قرب الخليج /
وهو يجر طابورا من ناطحات السحاب” / 41
*الجفاف/ الماء: “بذاكرة جافة/ لا يستطيع ترجمتها الكلام/ فقط بذاكرة الموج” / 45
* الشرخ/ الترميم: “حضن مشروخ/ تأخر موعد ترميمه” /98.
ويستطيع القارئ الذكي أن يقف على تجليات تعبيرية كثيرة عبر الديوان لهذا النسق الثنائي الذي يقوم مقام التعزية لفقد المعشوق.. فإذا كان الوجود مشكلاً في ثنائية وحدانية حال الوجود المحضون هي أنا العاشق وأنت المعشوق وجها لوجه، فإن أشياء الوجود ومعانيه لن تنيَ في تمثيل هذه الثنائية حال فقد المعشوق.. لعل ناراً في روح الشاعرة تهدأ، ولعل عيناً يغادرها أرقها اللعين، ولعل حرباً ضروساً تتوقف ولو ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات!!
**
تضيف تجربة الفقد المرة لعيني الإنسان/ الشاعر/ العاشق عينا ثالثة، هي عين البصيرة النافذة.. عين الوعي المفاجئ المذهل.. عين الكشف والاطلاع على الحقائق الأولى.. عين البراءة الحادة القديمة..
وسيكون من وظائف هذه العين الثالثة أن لا تكتفي من الألوان بخشوع الأبيض والأسود.. بل ستتنبه في يقظة مدمرة إلى رقصة ومجون الأطياف اللونية المتوالدة بين البياض والسواد.. ستتنبه الشعرية مفرطة الحساسية إلى (البينيات الرمادية)، إلى ذلك الحيز الفاصل بين:
** النص والارتجال /6
** الضوء والظلال /9
** البارحة والغد /72
** الصالة والبلكون /79
وبرغم أن الشاعرة تعلم أنه: “ما أصعب الوقوف في المنتصف” /52
إلا أنها في أغلب الظن ستكون راضية جذلانة بوعيها البيني هذا، الذي يوسع مساحة وجودها شاسعاً، ويقفها على معرفة جمالية كانت مهملة من قبل:
“كأن على يدي قدري/ شوق/ شوق/ مستهل قمر/ في إطار السماء/ سكبَ ضياءه/ في شقوق الجدران/ خلف الأشجار/ تحت الحصى/ على الأنهار/ في مصب جوارحي” /54
**
وقريبا من جذل الشعرية بوعيها البيني هذه، يتبدى لنا جذل آخر، أو وعي فادح آخر.. هو وعيها بالحوافِّ الحادة الخفية، فهنالك نرى تخوم اللغة:
“في قلبي عداء/ على مفترق الطرق/ تسابق تباريح الفجر/ تخوم اللغة” /24
ونرى حافة الرغبة:
“هل أقابلك على حافة الرغبة/ غافلين عن خلوة النهارات/ وتواشيح النقشبندي” /48
ونرى الرقص على حافة العقل:
“والرقص على حافة العقل/ باسم الغريزة لا الغيرة” /58
إن الذات الشاعرة المكلومة بالفقد لن يرضيها إلا أن يكون وجودها الفيزيقي في أقرب نقطة من أرض المعشوق المسافر! وهذه النقطة لن تتيحها إلا هذه الحواف الحادة..! إن الحركة هنا تشي ببلاغة العشق الباهرة.. بقارِّيَّته في روح المعشوق حتى النخاع..! إن التشبث بالحواف ليس إلا تعبيرا بليغاً عن الشوق الفادح الذي لا يأتي منفرداً على حد تعبير (الشعرية الرشوية) في هذا الديوان، الشوق الممتلئ الكثير المحتشد بالغزارة النافرة من الدمع والسهر والأرق والحرقة والندم والأسئلة الموجعة النازفة..!
**
قلت: إن الديوان يمثل ساحة حرب بغاية العنف والضراوة، بين الذات الشاعرة وبين طوابير مكروهاتها البغيضة التي عددناها آنفاً.. وفي الحروب مهما كانت اشتعالاتها واستعاراتها فلا بد
من هنيهات قليلة تخبو فيها النار قليلاً.. وفي المتن الشعري تبدَّى نسق السؤال ممثلاً لهذه الهنيهات القليلة التي تطامن فيها الهجوم الناري لحساب هدنة مغتصبة تتيح شيئا من التأمل والمراجعة ومحاولة ضبط البوصلة في الاتجاه الصحيح، سنقرأ في الديوان:
* “أتراني شاعرة”؟ /9
* “كيف يمكنني إقناع ذاك الثقب/ ليصبح سكناً”؟ / 18-19
* “لماذا تخرجني الآن من عالمك/ وتتركني لوحشة النفق”؟ / 21
* “ما بال الشجر يعلمني الاكتفاء/ والموج امتطاءَ المد / يا الله.. / ما كل هذا الثقل؟ / 25
* “من سيلتقط الكلمات من شفاهي؟ / 28
* “لا أدري، هل الحقيقة/ أني أتحرر بك أم منك؟ / 29
* “من يعوضنا الونس الذي تأخر؟ / 29
* “من يعوض الكف عن الماء المنفلت منه؟ / 30 (الصواب المنفلت منها!).
* “لماذا يا الله/ أحييت نبضاً بدا كأنه سيبقى للأبد؟ / 30
* “من يرمم يا بنها/ المكسور بداخلي؟! / 32
* “بداخلي مقبرة خاوية/ فهل لك تنفض عنها التراب؟ / 39
* “وشرفة تتساءل../ بأي ذنب خذلت؟ / 46
* “من يوقف هذا النزف؟ / 58
* “كيف أقنعوا الشباب/ أن الفجر أوشك/ على الانطفاء؟ / 59
* “كيف نحَّى الموج جانباً/ واستبدل به أشباحاً/ تماسيح؟ / 60
* “قد أتفهم الرحيل/ ولكن../ ما معنى الفَناء / 64
هل كانت هذه الأسئلة حقا في نسقها التعبيري الهادر هذا هدنة للتأمل، ومساحة لالتقاط الأنفاس، ومصدات روحية لريح قدرٍ غير راحم؟!
هل كانت كذلك حقا؟!
أم انها كانت عواصف رعدية، وانفجارات كونية مرعبة، ونيراناً فلسفية سائلة ملونة وسط النيران الشعرية العادية الأولى؟!!
**
ثمة ما أسميه بالمعرفة الشعرية الجمالية!
فإذا كانت هناك المعرفة الدينية، أي: الوجود مفسراً بالدين، وإذا كانت هناك المعرفة العلمية، أي: الوجود مفسراً بالعلم، فأنا أقول: ثمة أيضا المعرفة الشعرية الجمالية، وهي الوجود مفسراً بالجمال الشعري!
إن المعرفة الشعرية ليست معرفة أخلاقية نحاكمها بالأخلاق، وليست معرفة حسابية هندسية نحاكمها بالجبر والقانون والمعادلات الرياضية.. وإنما هي معرفة روحية، وجدانية، عاطفية، ذات حالات ومقامات وتجليات.. معرفة ظلالية، جمالية.. ربما اصطدمت بالقيمة الأخلاقية.. لكنها في النهاية تحتفظ لنفسها بقوام مستقل، وشخصية مائزة، وجوهر جمالي فريد..
إنها معرفة قادرة باستمرار على إعادة تعريف الأشياء.. هذه التعريفات الجديدة التي تكاد تخلق لنا عيونا جديدة نبصر بها الوجود في طبقاته الخفية الكامنة التي ما كنا نراه فيها من قبل..!
وفي الديوان، من تلك المعرفة الشعرية شيء رائع وبديع، تقول رشا في إعادة تعريف الجوهر الإنسانيِّ:
“كريش الكتروني نبت لي” / 73
لقد اختارت (الشعرية الرشوية) الريش لا الأصابع مثلا، باعتباره المفردة الحريرية من مفردات الطيور.. إن حلم الطائر كان وما زال يخايلها دائما.. لا!.. بل إنها تعتقد أنها نوع من أسراب اليمام الطائر:
“سأستبدل أحاديث مسكوتاً عنها/ بوجهي الحقيقيِّ/ وجه لا يعرفه/ غير من لحق/ بأسراب اليمام” / 25
إنني أقول: لقد أخطأ الفلاسفة كلهم خطأ فادحاً كارثياً، حين عرفوا الإنسان بأنه حيوان يتكلم..!
فلو تأملنا قول الحق عز وجل في كتابه الكريم: “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء” الأنعام: 38.
لو تأملنا هذه الآية الكريمة لعلمنا أي جناية ارتكبها الفلاسفة حين أسقطوا الرتبة الطيورية الواقعة بين رتبة الدواب الحيوانية والرتبة الإنسانية العليا..
سنكون أقرب إلى الصواب والحقيقة إذا عرفنا الإنسان بأنه طير يحلم أو يتخيل.. !
هكذا تقول الآية في بعض ما تقول..!
إن (الشعرية الرشوية) في ديوانها: قلب مرتجع، تضعنا في قلب هذه الاكتشافات المثيرة المبهرة حين انحازت إلى الريش، ولم تنحز إلى الأصابع.. ريش الطيور.. لا أصابع الكائن البشري!
** في إعادة تعريف جديدة نرى رشا الخطيب، وهي تصدم المعرفة الدينية بغير وجل ولا ارتعاش حين تقول: “نعوش هي/ أدراج سماوية” / 85
وحين تقول: “عويل هو إعلان/ لحناجر غاضبة” /86
وحين تقول: “شق ملابس/ محاولةٌ لميلاد جديد/ وفهمُ العري فينا” / 86
تأمل! ما عاد النعش تلك الآلة الحدباء التي كلٌّ يوماً عليها محمول إلى قبره..! لا لا! لقد مستها (الشعرية الرشوية) الممتلئة بمعرفتها الشعرية الجمالية الجديدة للوجود بعصاها السحرية.. فتحولت تلك الآلة الحدباء إلى أدراج سماوية في سلم صاعد أبداً نحو النور الإلهي الأبدي!
وتأمل! ما عاد العويل صرخة حزن قانية، لا لا! بل عرفته الشعرية الجديدة بأنه إعلان غاضب لحناجر غاضبة.. وفرقُ ما بين الحزن والغضب هو فرقُ ما بين الاستسلام والتمرد، بين اليقين البارد وأسئلة الوجود الحرجة الساخنة!
وتأمل طويلا هذه المفاجأة المدهشة بحق! ما عاد شق الملابس طقساً جالبا للعنة، كما في متن الخطاب الديني، بل صار طقساً من طقوس الميلاد والكشف..! أما ترى الأمهات ربما شققن ملابسهن أقمطة للمولود الجديد؟!
أيضاً، ما عاد شق الملابس سبباً مفضياً إلى العار، حيث يتبدى المحرَّم ويُرى..! ما عاد الطقس طقس كبت وتحريم! بل صار طريقاً للفهم.. فهم العري فينا، باعتباره أحد حقائقنا الكبرى القديمة! لن ننظر إلى العري بعد الآن باعتباره بوابة كبيرة من بوابات العار والفضيحة.. بل سنكون أكثر شفقة وحدَباً.. وسننظر إليه باعتباره لغة الجسد الأولى..لغة الثياب الأولى.. لغة القيامة الأولى.. لغة الحقيقة والبراءة الأولى.. ! علينا أن نتذكر جميعاً أن آدم وحواء لم يخصفا عليهما من ورق الجنة إلا بعد ارتكاب الذنب. قبل الخطيئة كانا نورين عاريين!!
وتتابع (الشعرية الرشوية) إدهاشاتها المتواليات، فتعيد تعريف القبور.. تقول:
“تلك القبور/ كنا نراها أماكن/ يقتطفها الأحياء للموت/ الآن نحن/ نقتطف مكاناً للحياة” /86-87
لقد كانت الحياة قديماً مفرطةً، مهيمنةً، مستولية على كل الأماكن، حتى كان الأحياء يضطرون لاقتطاف بعضها لتهيئتها قبوراً، أي منازل للموت..! إلى هنا..لا جديد في الأمر، لا جديد في المعرفة..! تأتي المعرفة الجديدة حين تقول رشا: “الآن نحن/ نقتطف مكاناً للحياة”.. لقد صار الموت مفرطاً بدوره هذه المرة، مهيمناً، مستوليا على كل الأماكن، حتى لنضطر نحن الآن لاقتطاف بعضها لنجعلها منازل للحياة..! إن هذا يعني أن كل الأمكنة –حسب النبوءة الشعرية الجديدة- هي احتمالاتٌ لقبور! كل الأمكنة..كل الأمكنة! بما أن الموت هو سيدها في هذا الزمان النكد!
هل كان يظن أهل غزة الشريفة في حربهم الأخيرة هذه أن بيوتهم ستكون قبورهم؟! أن شوارعهم ستكون قبورهم؟! أن حدائقهم ستكون قبورهم؟! أن أفنية مشافيهم ستكون قبورهم؟!
تقول رشا في معرفتها الشعرية الجديدة: إن كل مكان هو احتمالٌ صارخٌ لقبر!
فإذا كان الأمر كذلك، فيا أيها الإنسان! كن حنونا بكل الأمكنة! كن حنوناً بقبرك المحتمل! كن جليلاً أما الجلال العظيم المحتمل!
**
في صدري كلام كثير باقٍ، أستطيع أن أقوله في الديوان.. كلام عن الإنسان المكاني والإنسان الزماني.. عن العشاق الكبار باعتبارهم زمنيين لا مكانيين! لقد اشتغلت الشعرية بالزمن كثيرا في هذا الديوان، بل وانصهرت به! لقد عرف الله نفسه بالزمن، فقال: “إني أنا الدهر”! إن كل اشتغال بالزمن هو اقتراب من جمال الله الأكرم!!
لقد كانت الشعرية قريبة جدا من هذا النور العالي! وكان ذلك أحد أسلحتها النشطة الذكية في حربها الضروس مع أعدائها الكثيرين في الحياة والوجود والمعنى!
وثمة كلام عن تجليات الألوان والاعداد في الديوان! وكلام عن لعبة الحروف، وكلام عن الكتابة بما هي عصا اتزان ذلك الماشي على حبل الفقد والغياب! وكلام عن خطة الشعرية الدفاعية الرائعة في حربها الوجودية! عن الشفاه المقاتلة! عن الرسم بالفرجار! عن تناسخ المعشوق في سبعين رجلاً!! عن اسم المعشوق وشفتيه إذ يتقاسمهما العاشق والمعشوق، فيظفر العاشق بالاسم، ويترك للمعشوق شفتيه! ربما -في سماحة مذهلة- لأنهار أخرى ممتلئة بالحوريات الرائعات يأخذن حصتهن الغرامية منها!!
سأعبر سريعاً على كل هذا الكلام!
لأهتف بالإعجاب الباذخ لحالة (الصدق الوجودي) التي اتسمت بها (الشعرية الرشوية) في قلبها المرتجع.. إنه صدق رائع.. مثير للفرح والغبطة.. مثير للنشوة والحياة..
تقول رشا: “كل الجهات إليكَ/ ولا سبيل إلى الوصال
عدتُ للفقد الكبير/ أرشيف كبير من الشبق/ وتوحش الخيال” /44
وتقول: “مع كل ابتعاد/ تفتح الصالات ابتسامات ساهرة/ تأشيرات خذلان/ وصور بمرارة القهوة/ تكشر عن أنيابها للنسيان/ وللحياء” /96
انظر! إن الشعرية الرائعة الصادقة لم تتنكر للجوهر الإنساني بما هو مزيج من عقل وشهوة.. من طمأنينة وشبق.. من خجل ووقاحة طيبة!
إن هنا درساً نقدياً، وجودياً، رائعاً.. لا جدوى من الكذب! الصدق نجاة! الصدق جمال! الصدق حياة! من قال إن الموت يهزم الشهوة؟! من قال إن الغياب يطفئ الولع والوله؟! أرأيت تكشيرة أنياب الذكريات وصورها العالقةِ بأجفان الروح للنسيان وللحياء؟ تأمل: للحياء! إنها صور الجسد في شبقه الحميم إذن! إن جرح الحياء هنا لقطة باهرة من لقطات انتصار الحياة المتحدية لجبروت الموت! تقول الحياة للموت: خذ الجسد كله، لكنك لن تقدر على قمع أطيافي التي ستبيت في حضن العاشق غصباً عنك! سأنتصر في النهاية!
إنني أقول: إن النساء اللائي لا يحدثننا عن امواج الشبق تلفهن لفاً، وتعتصرهن اعتصاراً في ليالي الفقد والغياب هن مخبولات بامتياز! لم يشممن في جنة الحب وفردوس العشق رائحة وردة حمراء من طهر وتجل ونقاء!
**
وبعد، أما آن لهذه المقالة أن تنتهي؟!
نعم! آن لها..!
وآن أن أختمها فأعلن:
إني لم أقرأ في تجربة العشق البشري صدقاً وجمالاً وروعةً ودهشةً كهذا السطر في الديوان الذي هو درة عقده اليتيمة! بل أكرم خلاصة وأوفى بيان لكل تجارب العشق الإنساني في العالم..! تقول رشا: ” أذهب إلى الله مليئة بكَ” /54
يا إلهي!
من منكم غشيه البهاء الإلهي كما غشي هذا السطر المعجز؟! من منكم يفخر أمام الله بوقائع عشقه الطهور هكذا؟! من منكم أسعده الحظ السماوي، فادخر له –وحده- هذا الجلال الأخضر المنداح، هذه العظمة السمحة المنورة؟!
*
** صدر ديوان: “قلب مرتجع”، للشاعرة رشا الخطيب، عن سلسلة كتاب طيوف لمشرفها السيد حسن، طبعة أولى، 2026. ونوقش الديوان في نادي أدب قصر ثقافة بنها، بتاريخ 1/10/2026.